كل هذا لبيان فعل ابن عمر وإلا فقد تقدم أن الحجة بروايته لا برأيه.
وقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يُدْخل الماء في عينيه في الوضوء ويأخذ لأذنيه ماء جديدًا. وكان أبو هريرة يغسل يديه إلى العضدين في الوضوء ويقول: من استطاع أن يطيل غرّته فليفعل. ورُوي عنه أنه كان يمسح عنقه ويقول: هو موضع الغل .. ذكر ذلك ابن تيمية. الفتاوى 1/ 279
والمراد هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل هذا كله فهل تترك سنته في ذلك من قوله وعمله وسائر الصحابة لأجل ما انفرد به بعض الصحابة اجتهادًا منهم؟.
الأمر ولله الحمد بيّن فلا تثبت شريعة بما يُنقل عن آحاد الصحابة في جنس العبادات أو الإباحات أو الإيجابات أو التحريمات إذا لم يوافقه غيره من الصحابة عليه وكان ما يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم يخالفه لا يوافقه .. ذكر ذلك ابن تيمية.
يقال في فعل ابن عمر رضي الله عنهما كذلك أنه يخالف ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يُوافقه ولم يوافقه عليه أحد من الصحابة فكل ما ذكر الدبيان لا تقوم به حجة كما تقدم ويأتي.
وكأن الدبيان بفعله هذا قد أصيب بداء تبنّاه القرضاوي وأضرابه يسمونه (الوسطية) ففتحوا بذلك أبواب ضلالة فانظر ما يقوله الدبيان في أول كتابه يقول: لقد كان الناس عندنا في أمر اللحية بين إفراط وتفريط. يبن من تساهل في حلقها متشبها بالكفار غير مُبال بالأوامر الشرعية الآمرة بإعفاء اللحية وبين غال يرى أن الأخذ منها يوقع في الإثم وعلامة على رقّة الدين والتقصير في الواجبات. ودين الله وسط بين الغالي والجافي. انتهى. ص3
تأمل هذا فقد ذكره في مقدمة كتابه. ودين الله وإن كان وسطًا بين الغالي والجافي فهو مُقيد باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله. وهو الوسط وفيه الخير كله وسعادة الدنيا والآخرة ليس بالآراء والأهواء المخالفة للنصوص.
قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) أي عدولًا خيارًا. وهو المقام الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج عنه شيء من أقواله أو أفعاله.
فمن ادّعى الوسطية في مخالفة الحق فهو مفتر على الله وعلى رسوله. كذلك فهو طاعن بما عليه النبي والصحابة حيث فاتتهم معرفة الوسط والعمل على مقتضاه وفُتحت عليه معرفته.