وداع من شياطين الإنس والجن يزينون له هذا المسار، ويعدونه بالخير والفلاح، {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا} .
فلكي يتفادى المؤمن الوقوع في هذا المنزلق، عليه أن يتشبث بعقيدته ويعض عليها بالنواجذ، ولا ينظر إلى المكاسب الآنية - مهما بدت له كبيرة - وعليه أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم، ولو كانوا قلة أو مستضعفين، فإنه سرعان ما سيزول هذا الضعف بالثبات والاستقامة، {وَكَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ، وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِين} .
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في هذا المجال، وعلينا أن نتذكر مواقفه الثابتة على دينه، حينما عرض عليه كفار قريش المناصب والمال والجاه والسيادة مقابل أن يتوقف عن سب آلهتهم وتسفيه أحلامهم والدعوة إلى التوحيد، فلم يلتفت إلى هذه العروض والإغراءات، رغم عظمها في فترة كانت تتميز بالضيق والحصار وقلة النصير، وكان بإمكانها أن تفتح آفاقًا وسبلًا للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيستغلوها لبسط نفوذ الدعوة - التي ستصبح في هذه الحالة مميعة ومحرَّفة - ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل وما كان له أن يقبل بشروط قريش وهو يعلم أنه سيخسر رضا الله وسينحرف عن النهج الذي بُعث من أجله، حتى ولو ربح الدنيا كلها، {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْك} .
وهذا ما ينبغي أن يضعه الدعاة نصب أعينهم وهم يتحركون بهذا الدين العظيم، حتى لا يقعوا في المحذور الذي سيؤدي إلى الثبور.
فالذين يتربصون بنا الدوائر لكي ندهن، كثيرون، وكل واحد منهم له مصالح مباشرة وغير مباشرة، ويحرصون أشد الحرص على أن نقع في مستنقع التنازلات والتسهيلات، حتى وإن كانت صغيرة وهينة في البداية، لكنها تكفي كمفتاح ومقدمة للمزيد من التنازل والمداهنة.
الشيطان:
يأتي على رأس اللائحة، فهو صاحب المصلحة الكبرى في أن ندهن، لأننا نمثل العقبة الرئيسية في سبيله بثباتنا واستقامتنا، فتجده يساهم بنفسه وجنوده وجميع أوليائه للدخول في معركة حاسمة ومتواصلة للوسوسة والإغراء، وإخفاء مفاسد هذه التنازلات في أعين الدعاة - أفرادًا وجماعات - وإظهارها بمظهر حسن حتى يتمادون في عملية المداهنة، شيئًا فشيئًا، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينْ} ، فتتسع المسافة بينهم وبين مبادئهم، ويصعب عليهم بعد ذلك الرجوع إلى الأصل.