الاستراتيجية المحنكة:
لقد لجأت الجماعة إلى أسلوب حرب العصابات، وتمركزت في المناطق الجبلية الوعرة، التي لم يستطع قط الجيش الفرنسي دخولها خلال حرب التحرير. وكان لاستهداف الجماعة للدوريات والقوافل العسكرية بالغ الأثر في معنويات الجيش، وذلك أن الضربات المركزة والمؤلمة والمفاجئة تقض مضجعه، خاصة وأنه لا يستطيع تعقب المجاهدين بعد ذلك، لوعورة المسالك وعلم المجاهدين مسبقا بقدومه بفضل شبكة استخباراتية متطورة. ومن ضمن الضربات المؤلمة التي سددها مؤخرا المجاهدون للجيش السفاح، الهجوم الكبير الذي استهدف منذ شهرين قافلة عسكرية قرب مدينة باتنة (450 كم جنوب شرق العاصمة) وأدى إلى مقتل حوالي 50 جندي وضابط في الحصيلة الرسمية للجيش (الحصيلة الحقيقية أكبر من ذلك بكثير) .
كما أن تمركز الجماعة السلفية في منطقة القبائل كان خيارا ممتازا لأنها منطقة تُعرف منذ القدم برفضها للظلم والطغيان، كما أنه حطم آمال عملاء الاستعمار في دك إسفين بين البربر سكان منطقة القبائل والمشروع الإسلامي، لأن سكان القبائل آووا ونصروا المجاهدين، وخيبوا ظن من كان يريد الاصطياد في ماء الشعوبية العكر.
الثبات على المبدأ:
منذ بداياتها والجماعة السلفية تتميز بسلامة العقيدة ووضوح المنهج، وقد ساعدتها هذه المميزات على تخطي العديد من العقبات، وأشدها على الإطلاق الخداع الكبير الذي سمي بالوفاق المدني، وهو اتفاق شفهي يقضي باستسلام المقاتلين و"التوبة"مقابل عفو الدولة وبعض الوعود المادية التافهة، إضافة إلى وعود أخرى تقضي بإرجاع الأوضاع إلى سابق عهدها والإفراج عن المعتقلين الخ. وقد لعب علماء السلطة ووعاظ الشرطة دورا رئيسيا في التغرير بالكثير من المقاتلين ممن يفتقرون لوضوح الرؤية، وبرروا لهم تلك الخطوة بأنها ستوقف المجازر (التي يقوم بها الجيش) ونزيف الشعب الجزائري، فاستسلم نتيجة لذلك قرابة 3000 من التابعين للجيش الإسلامي للإنقاذ. لم يفطن هؤلاء أن هذا الأمر دُبِّرَ بليل، ولم يكن يعني سوى منح غطاء قضائي للعفو عن ضباط الاستخبارات الذين أقاموا المذابح للشعب الأعزل. وقد ظهر الخداع بعدما نكث العسكر بوعودهم، فلا المساجين أطلقوا، ولا المجازر توقفت، ولا الحريات أعيدت ... وعلى نفسها جنت براقش.
في المقابل رفضت الجماعة السلفية هذا الاتفاق الأخرق جملة وتفصيلا، وكان التزام الجماعة بالمبادئ الشرعية والعقدية بمثابة الصخرة التي تحطمت عليها أماني قادة الاستخبارات. لم تأبه الجماعة أنها تُرِكتْ لوحدها تواجه الجيش السفاح، ولا ثناها عن عزمها الوعود الكثيرة التي عرضت عليها، سواء من قبل القيادات العسكرية أو من قبل الرئيس بوتفليقة نفسه، بل استمرت الجماعة لا يضرها من خالفها ولا من خذلها في سعيها الدؤوب نحو إقامة الدولة الإسلامية.
ج- عوائق أمام الجماعة السلفية للدعوة والقتال
التدخل السافر للدول الغربية:
لقد واجهت الجماعة السلفية للدعوة والجهاد منذ إنشاءها العديد من التحديات على مستوى الجزائر، ولم يكن للجماعة -حسب القرائن المتوفرة- أية طموحات لتمديد أنشطتها خارج الجزائر.
لكن فرنسا التي تعتبر الجزائر حديقتها الخلفية، سعت منذ الأيام الأولى لنشأة الجماعة إلى تعقب