وفي تلك الحضارة الجاهلية أشياء كثيرة سامة مهلكة: الإلحاد، والفساد الخلقي، والروح المادية الحسية التي تتنكر لعالم الروح، والاستغراق في متاع الأرض، والتشريع بغير ما أنزل الله، وتفكك الأسرة، وفساد الفطرة والانتكاس الحيواني.
ومن ثم فإن الرفض البات لكل ما يأتي من عند الغرب، كتقبل كل شيء يأتي من الغرب .. كلاهما موقف خاطئ وغير متوازن. إنما الموقف الصحيح هو الانتقاء .. ننتقي ما نحن في حاجة إليه ونرى أنه لا يخالف عقيدتنا ولا شريعتنا ولا أخلاقنا ولا تقاليدنا، وننبذ ما دون ذلك لأنه إما مصادم للعقيدة وإما مصادم للشريعة. والعقيدة والشريعة هما الدين!
والصحوة الحالية تقف هذا الموقف المتنور المتوازن، فتدعو إلى الاستفادة مما عند الغرب من تقدم مادي وعلمي وحضاري، وفي الوقت ذاته تحذر من الذوبان في شخصية الغرب، الذي يؤدي إلى الخروج من الدين.
بمثل هذه الروح يمكن للعالم الإسلامي أن يحل مشاكله. فحين يسترد ذاتيته المفقودة، سيكون أقدر على الاستفادة من تقدم الغرب المادي والعلمي، أضعاف أضعاف ما يستفيده اليوم وهو في موضع التقليد كالعبيد .. وعندئذ يتقدم، ويتغلب على"التخلف"الذي يرى بعض الناس أنه هو العقدة، ويرى بعضهم أنه العقدة التي لا تحل!
المطلوب عزيمة، وقدرة على الرؤية الصحيحة، وجلد على بذل الجهد، وتعاون لبلوغ الهدف المشترك .. وكل ذلك خصائص إسلامية أصيلة، اكتسبتها الأمة ذات يوم حين كان الإسلام راسخًا في نفوسها، وفقدته حين فقدت جدية العمل به، وتكتسبه اليوم وغدًا حين تعود عودة صادقة إلى الإسلام.
وأخيرًا فإنه لا بد عند إعادة كتابة التاريخ من إفراد فصل عن الصحوة الإسلامية لأن تاريخها لم يسجل، إنما الذي سجل في معظم الأحيان هو كلام الأعداء!
لقد شُوِّهت صورة الصحوة لأسباب مفهومة!
فالذين يهمهم الأمر من صليبيين وصهيونيين -وأتباعهم الذين يأتمرون بأمرهم- كانوا قد ظنوا أنهم استراحوا إلى الأبد من اسلام، وانهم قضوا عليه قضاء لا رجعة فيه. فلما فوجئوا بالصحوة بعد كل الجهد الذي بذلوه حنقوا عليها بأكثر مما كانوا يحنقون على التاريخ السابق كله، وتحرك الحقد الصليبي الصهيوني في نفوسهم بما يوازي أربعة عشر قرنًا من الزمان!
ولذلك جهدوا في تشويه صورتها لعلم يقفون مدها ويحصرونها توطئة للقضاء عليها.
وهل يستغرب هذا الموقف؟!
أليس هو ابتداء موقف كل جاهلية من قضية لا إله إلا الله؟
فإذا أضيف إليه حقد اليهود والنصارى المخزون في نفوسهم، الذي يقول عنه"ولفرد كانتول سميث"إن أوربا لا تستطيع أن تنساه [1] ، وحقد العبيد من المستغربين، الذي لقنهم الصليبيون الصهيونيون إياه، فقد اكتملت الأسباب التي تدفعهم جميعًا إلى تأجيج حملة التشويه والتنفير من الصحوة الإسلامية، التي تهدف في الحقيقة إلى التنفير من الإسلام!
إن الصحوة هي البديل الثالث الذي أخفوه عن المسلمين عمدًا حين وضعوهم في ذلك الخيار الصعب: إما أن تظلوا مسلمين وتظلوا في الوقت ذاته متخلفين، وإما أن تنبذوا الإسلام وتتجهوا إلى أوربا لتتقدموا وتتحضروا وتنطلقوا.
فلما جاءت الصحوة التي تنادي بالتقدم والتحضر والانطلاق بالإسلام وفي رحاب الإسلام، كان طبيعيًا أن يكرهوها ويحاربوها لأنها تحدث ثغرة في تخطيطهم الذي قالوا للناس فيه لا محيص! وهي ثغرة تنذر بأن تتدفق الأمة الإسلامية من خلالها، وتعود للحياة من جديد! تعود بقلبها الطبيعي الفطري وتنبذ القلب الصناعي الفاسد، الذي عطب وانتكس عة مرات وأشرف بالأمة على الهلاك.
هل ينتظر منهم إذن أن يرحبوا بالصحوة، ويعطوها قدرها، وينصفوا أصحابها؟!
(1) راجع شهادته التي ذكرناها من قبل ص179 من هذا الكتاب.