الصفحة 131 من 142

ومن أجل ذلك ينجح السيد في القيام بعظائم الأمور، ولا ينجح العبد .. لا لنقص في إمكانياته! ولكن لنقص في تركيبه النفسي، منشؤه أنه لا ذاتية له، ولا هدف يتوجه إليه بدافع من نفسه!

كيف نعالج هذا المرض الخطير؟ بمزيد من التقليد؟! بمزيد من التبعية للغرب؟! بمزيد من من فقدان الذات؟!

إنما علاجه أن تكون لنا ذاتية مستقلة، وأهداف ذاتية، وعندئذ تنجح في عظائم الأمور لأننا لن نكون عبيدًا مقلدين، بل سادة نحسّ بقدر أنفسنا ونؤمن بذاتيتنا ونسعى بجدية لتحقيق أهدافنا.

عندئذ ينفع العلم أضعاف أضعاف ما ينفع اليوم، وتنفع المصانع، وتنفع العمارة، وتنفع الجامعات والمدارس لأن"الإنسان"فيها يكون قد تغير، وأصبح قادرًا على بذل الجهد، قادرًا على المثابرة، وقادراُ من ثم على بلوغ الأهداف.

وهل هناك ذاتية للمسلم أكثر من إسلامه؟!

هل هناك بناء نفسي أكثر أصالة من البناء على منهج الإسلام؟!

حين يعود المسلم إلى إسلامه يسترد ذاتيته المفقودة، فيخوض الخضم بلا تردد، ولا هزال، ولا عدم مبالاة!

لقد كانت مصر واليابان ذات يوم متأخرتين على مستوى واحد أو متقارب، ودخلنا الخضم في وقت واحد أو متقارب .. فمضت اليابان في الشوط حتى سبقت السابقين الذين تتلمذت عليهم من أهل الغرب، وتعثرت خطوات مصر، وتخاذلت، وانتكست عدة مرات .. لماذا؟

أحست اليابان بالحاجة إلى النهوض وهي محتفظة بذاتيتها، فأعطت من نفسها العزيمة المطلوبة، وبذلك الجهد المطلوب. وأحست مصر بالحاجة إلى النهوض وهي مسلوبة الشخصية، فلا شخصيتها الإسلامية كانت حية تدفعها إلى العمل، ولا اكتسبت -وهي في موضع التقليد- ذاتية مستقلة، لأن التقليد يقتل الذاتية ولا ينميها، ومن ثم ظلت في مكانها، أو تحركت خطوات متخاذلة متعثرة، لا توصل إلى شيء ذي بال ..

هل هناك علاج غير الإسلام؟!

مَنْ أوائل الطلبة والطالبات في معظم الأحوال؟ إنهم المسلمون الملتزمون بالإسلام!

مَن النوابغ في الطب والعلوم والهندسة في معظم الأحوال؟ إنهم المسلمون الملتزمون بالإسلام!

مَن البارزون في كل عمل وفي كل مجال في معظم الأحوال؟ إنهم المسلمون الملتزمون بالإسلام؟

مَن الناجحون في المشروعات التي تدر الأرباح -مع الأمانة- وتشغل الأيدي العاملة، وتمنح موظفيها وعمالها ومساهميها بركة في حياتهم، وطمأنينة ونظافة وراحة بال؟ إنهم المسلمون الملتزمون بالإسلام!

تلك تجربة واقعية تعرفها المدارس والجامعات، وتعرفها المصانع والمؤسسات .. وتعرفها"الحكومات"التي تحارب الإسلام!

من أجل ذلك نستبشر بالصحوة أن تكون هي التي تعالج المرض المتأصل، مرض فقدان الذاتية، الذي أصاب الأمة أولًا من بُعدها عن الإسلام، ثم تعمق في حسها عن طريق التغريب، الذي انتهى إلى التقليد.

إن الصحوة تتميز -في هذا المجال- بمزيتين عظيمتين: العودة إلى الإسلام من منابعه الصافية من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وسيرة السلف الصالح رضوان الله عليهم، لا من الركام الذي تراكم خلال القرون وغشي على صفاء الدين الرباني، ومع ذلك كان الناس يأخذونه على أنه هو الإسلام! والمزية الثانية هي موقفها المتنور المتوازن من"الحضارة الغربية".

ليس كل ما عند الغرب مرفوضًا لمجرد أنه آت من الغرب. وليس كل ما عند الغرب مقبولًا لمجرد أنه آت من الغرب!

في تلك الحضارة -وهي حضارة جاهلية بيقين [1] - أشياء كثيرة نافعة، المسلمون في أشد الحاجة إليها لأنهم فقدوها أو تخلفوا عنها في فترة السبات الطويل: التقدم العلمي والتكنولوجي. الجلد والمثابرة على بذل الجهد. عبقرية التنظيم. الروح العلمية الموضوعية في تناول الأمور.

(1) أشرنا في ثنايا الكتاب إلى المقصود من مصطلح الجاهلية كما ورد في القرآن الكريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت