الصفحة 130 من 142

ثم تمضي السنة ويأتي الانهيار .. بغتة أو على تخوف وانتظار:

"أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَاتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ، أَوْ يَاخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ، أَوْ يَاخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ" [1] .

والقوم اليوم على خوف .. وعقلاؤهم يحذرونهم من مغبة الاستمرار على ما هم عليه، وأنه لا نتيجة ترجى من ذلك إلا الدمار .. والله سبحانه يأخذهم بالطريقة التي قدرها في علمه .. إنما الذي يهمنا هنا أنه في الوقت الذي بدت فيه بوادر الانهيار -كما يرى عقلاؤهم أنفسهم -تولد الصحوة الإسلامية بقدر من الله. والدلالة التاريخية واضحة في هذا الأمر، فهذا منعطف من منعطفات البشرية التي يتغير بعدها التاريخ [2] .

كذلك نحتاج أن نبرز أمر الصحوة عند إعادة كتابة التاريخ، لأننا نعتقد أنها هي الحل لكل مشكلات العالم الإسلامي الراهنة.

فإذا افترضنا جدلًا أن مشكلة العالم الإسلامي هي التخلف العلمي والمادي والحضاري والاقتصادي والاجتماعي والسياسي .. الخ. ونحن لا نوافق على أن هذه هي المشكلة، إنما المشكلة هي التخلف عن حقيقة الإسلام، الذي نشأت عنه كل ألوان التخلف المذكورة آنفا .. نقول إذا افترضنا جدلًا أن المشكلة هي هذه الألوان من التخلف فإن علاجها لن يتأتى بغير العودة إلى الإسلام!

وقد يبدو هذا القول عجيبًا عند"المثقفين"على الطريقة الغربية، الذي يرون أن الدين هو سبب التخلف، وأن العودة إليه هي الكارثة التي يمكن أن تهوي بالأمة إلى الحضيض!

ولكنا نقول إن تجربة قرن كامل من الزمان -أو أكثر من قرن في بعض بلاد الإسلام [3] - ذات دلالة لا يمكن تجاوزها. فخلال تلك الفترة كانت بلاد العالم الإسلامي تحاول"القضاء على التخلف"وتتخذ لذلك الوسائل التي تظنها موصلة إلى تحقيق الهدف، فتفتح المدارس والجامعات، وتنشئ العمائر، وتفتح المصانع التي تتيح لها إمكانياتها أن تفتحها، وتفتح المسارح ودور السينما ودور الإذاعة ودور التليفزيون ودور"الأوبرا"والمراقص والملاهي الليليلة، وتعلم المرأة على برامج الرجل، وتعدها للعمل خارج البيت، وينشئ معظمها البرلمانات، ويُدْخل فيها بعض النائبات، ويتخذ بعض الوزيرات في الحكومة، وينشئ السفارات في الخارج وينفق عليها ببذخ .. إلخ .. إلخ. فهل زال التخلف أم ازدادت مساحته؟!

وحين تبرز هذه الحقيقة التي لا سبيل إلى إخفائها أو إنكارها، يتعللون بشتى المعاذير، إلا السبب الذي يكرهون ذكره لأنه يؤذيهم في ذوات أنفسهم.

إن العبد المقلد لا ينجح في عظائم الأمور لأنه لا ذاتية له، ولا هدف يتوجه إليه بدافع من نفسه. والنهوض بالبلاد -أي بلاد- هو من عظائم الأمور التي لا يصلح لها"العبد"المقلد، إنما يصلح لها"السيد"صاحب الشخصية الذاتية والهدف الذاتي.

العلم هو العلم .. ولكن العبد يتعلم منه القشور والسيد ينفذ إلى اللباب.

والحضارة -من حيث مظاهرها- هي الحضارة. ولكن العبد يمارسها لشهوة التقليد، والسيد يمارسها لأنها ذات دلالة معينة بالنسبة إليه، فهو يقوم بالعمل ويستحضر في نفسه في الوقت ذاته معناه.

المصنع من حيث آلاته هو المصنع، ولكن العبد -ما لم يكن السيد الآمر فوق رأسه- يقوم بعمله مستهترًا بغير حماس ولا عناية، لأنه بالنسبة إليه مجرد"تأدية واجب!"يرتزق عن سبيله. ولكن السيد يشعر أن العمل جزء من كيانه فيتقنه، ويجد نفسه بمقدار ما يتقن عمله ويتفانى فيه.

وقس على ذلك في جميع المجالات.

(1) سورة النحل: 45 - 47.

(2) سنتكلم عن هذه النقطة في الفصل القادم.

(3) في مصر على سبيل المثال بدأت التجربة منذ الحملة الفرنسية أي عام 1798م، وهي مستمرة حتى اللحظة، ونتائجها غاية في الوضوح!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت