وإما أن تظل أوربا في غوايتها رغم وجود النموذج الصحيح بالقرب منها في شرق أوربا وغربها، وعندئذ كان اليهود سينشطون في تنفيذ مخططاتهم الشريرة في أوربا وحدها، ثم يظل الشر محصورًا هناك، لأن أوربا ذاتها لم يكن ليكون لها نفوذ على بقية الأرض في وجود الأمة الإسلامية قوية ممكنة مسيطرة.
ونضرب أمثلة للتوضيح ..
استغل اليهود الثورة الفرنسية القائمة ضد طغيان رجال الدين ورجال الإقطاع، فبثوا خلاياهم الماسونية التي ساعدت على تأجيج الثورة وحولتها إلى ثورة على الدين ذاته بدلًا من كونها ثورة على طغيان رجال الدين، وأقامت أول دولة علمانية في أوربا في"فرنسا الثورة"..
هذا حدث أوربي بحت، وكان من الممكن أن يظل تأثيره محصورًا في أوربا لو أن الأمة الإسلامية بعقيدتها، بنظامها، بقوتها، بحضارتها، بتقدمها العلمي كانت قائمة في الأرض، فينحصر سم العلمانية اللادينية في أوربا ولا يسري في بقية الأرض.
وجاءت الثورة الصناعية فاستغلها اليهود في أمرين خطيرين: تمويل الصناعة بالربا، مما مكنهم من جميع الذهب وتكديسه في جيوبهم، والسيطرة - من ثم- على اقتصاديات العالم وسياسته ووسائل إعلامه .. إلخ. وإنشاء مجتمع منحل الأخلاق عن طريق تشغيل المرأة وإفساد أخلاقها وفك روابط الأسرة بحجة"تحرير المرأة اقتصاديا"وجعل الفاحشة هي الأساس المعتمد في علاقات الجنسين بدلًا من الزواج ورباط الأسرة ..
وهذا شر انتشر اليوم في كل الأرض، وكان يمكن تلافيه ألبتة أو حصره في نطاق ضيق لو أن الأمة الإسلامية لم تضعف ولم تنكل عن رسالتها لنفسها وللبشرية.
فقد كان المفترض مع وجود التقدم العلمي في العالم الإسلامي أن تنشأ الآلة -التي قامت عليها الثورة الصناعية- في ربوع الإسلام لا في أوربا. وعندئذ لم تكن لتقوم على الربا أساسًا لأنه محرم في دين الله. وكان الباب سيظل موصدًا أمام اليهود أن يجمعوا الثروة التي سيطروا بها على الأرض .. ولم تكن المرأة ستحتاج إلى العمل لأن في دين الله من يكفلها دائمًا ولا يحوجها إلى أن تعمل لتأكل، وقد كانت الفتنة في أوربا أن الفلاحين هجروا الريف وذهبوا إلى المدينة وراء فرص العمل وتركوا عائلاتهم بلا عائل، فاضطرات المرأة أن تتبع الرجل إلى المدينة وتعمل لتأكل .. فوجدت البذرة الفاسدة التي أفسدت المجتمع كله .. ولو قامت الصناعة الآلية في العالم الإسلامي ما كان هناك مبرر واحد لخروج المرأة للعمل وتحطيم الأسرة وانحلال الأخلاق.
فإذا فرضنا أن قيام الحركة الصناعية في العالم الإسلامي لم يمنع قيامها في أوربا على الصورة التي قامت بها وأتاحت لليهود ما أتاحت من فرص للإفساد، فقد كان الفساد سيظل محصورًا في أوروبا، ولا يصبح سمة للعالم"المتحضر!"كله .. فإذا فسدت المرأة الأوربية و"تحررت"أي تحللت من دينها وأخلاقها، فلم يكن ذلك ليحفز نساء الأرض بالضرورة -بما فيهن المسلمات- أن يفسدن ويتحررن على الطريقة الأوربية اليهودية ..
وجاءت الثورة الداروينية إن صح التعبير، إذ خرج دارون بنظريته في التطور .. فاستغلها اليهود لهدم كل القيم الثابتة -ما كان قد بقى منها في المجتمع الأوربي- وإنشاء فكر"تطوري"ينظر إلى الدين والأخلاق والزواج والأسرة على أنها أمور متطورة، وأنها قد تطورت إلى أضدادها في"المجتمع الصناعي المتطور"! وخرج اليهود الثلاثة: ماركس وفرويد ودركايم بنظرياتهم المعروفة ضد الدين والأخلاق والتقاليد، وانتشرت نظرياتهم في كل الأرض، تمحو آثار ما بقى من القيم الثابتة في حياة البشرية. وهذا كذلك شر كان يمكن تلافيه البتة أو حصره في نطاق ضيق لو أن الأمة الإسلامية لم تضعف ولم تنكل عن رسالتها لنفسها وللبشرية ..
فالذي وضع الإطار الإلحادي لنظرية دارون لم يكن هو البحث العلمي المجرد إنما عداوة الكنيسة للعلم والعلماء، وما ارتكبته من الحماقات في حرق العلماء أحياء وتعذيبهم حتى الموت بحجة أنهم أدلوا بنظريات مخالفة للدين! فقام العلماء من جانبهم يحاربون الدين ومقرراته ليهدموا سلطان الكنيسة من أساسه، وإلا فنظرية التطور الداروينية ذاتها -ونحن لا نسلم بصحتها [1] - لا تستلزم عدم نسبة الخلق للخالق سبحانه ونسبته إلى"الطبيعة"بدلًا من الله! ولا تستلزم القول بالخلق الذاتي، ولا تستلزم كذلك نفى"الغاية"-أو الغائية- عن عملية الخلق ذاتها ولا تصوير الإله الجديد -الطبيعة- بأنه يخبط خبط عشواء [2] !
فلو نشأ دارون والنموذج العلمي الإسلامي موجود، الذي لا يقيم تعارضًا ولا نزاعًا بين الدين والعلم، بل ينمو العلم فيه في ظل العقيدة ومنبثقًا عنها، فلربما كان يعدل ابتداء عن وضع الإطار الإلحادي الذي أحاط به نظريته -أو بالأحرى فرضه العلمي- ويقدم الفرض أو النظرية في إطار لا يتعارض مع العقيدة، ومن ثم لا يعطي اليهود أصلًا فرصة لنشر الإلحاد باسم التقدم العلمي! فإن لم يكن وجود النموذج الإسلامي كافيًا لرد دارون عن غيه، فقد كان السم الذي أفرزه الإطار الإلحاي لنظريته سيظل محصورًا في أوربا لا يتعداها إلى بقية الأرض كما حدث بالفعل! وكانت نظريات اليهود الثلاثة التي استمدوها من الداروينية تظل محصورة في النطاق الأوربي مستنكرة في بقية العالم لقيامها على أساس التفسير الحيواني للإنسان ..
(1) توجد اليوم نظريات علمية تخالف نظرية دارون، نشأت من التقدم العلمي الذي حدث بعد دارون، ولا تنظر إلى الإنسان نظرة دارون الحيوانية.
(2) يقول دارون: Nature works haphazardly ( الطبيعة تخبط خبط عشواء) .