الصفحة 72 من 152

وقد كتب الله في التوراة والزبور أنه يورث أرضه لعباده الصالحين، ويجعل العاقبة للمتقين.

وقد ورد هذا الوعد صريحًا، في حديث سورة الأعراف عن ما جرى بين موسى عليه السلام وبين فرعون. وذلك في قوله تعالى: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَاتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) [الأعراف: 128 - 129] .

الإيمان بالله، والاستعانة به، والصبر، طريق وسبيل لوراثة الأرض، لأن الأرض لله، يورثها عباده المؤمنين الصابرين، ويجعل العاقبة للمتقين.

هذا وعد الله الذي كتبه في التوراة، وهو وعده الذي كتبه في الزبور، وكتبه في القرآن.

لماذا الوعد في الزبور؟:

وذكرُ الزبور في الآية مقصود ومراد، لأنه أنزله الله على داود عليه السلام، وكان داود ملكًا على بني إسرائيل، ورسولًا لهم، وأنشأ لهم مملكة كبيرة، زادت امتدادًا وقوة في فترة حكم ابنه الرسول الملك سليمان، عليهما السلام، وكان حكمهما في الأرض المقدسة.

ويتباهى اليهود ويتفاخرون في فترة ملك سليمان وداود عليهما السلام، ويزعمون أنهما أقاما في الأرض المقدسة حكمًا يهوديًا، وأن الله أعطى الأرض المقدسة (فلسطين) لليهود إلى الأبد!.

وآيات سورة الأنبياء تكذّبهم، حيث تذكر بعض ما كتبه الله في الزبور، النازل على داود عليه السلام، وهو يتناقض مع ما يزعمه اليهود.

الأرض لله، هو الذي يملكها في الحقيقة، ويُمَلِّكُها لمن يشاء من عباده، وفق إرادته وحكمته، ويورثها عباده المؤمنين المتقين الصالحين، فيأخذونها من أيدي الآخرين.

وراثة الأرض للعابدين:

وهذا الوعد في الآية بلاغ لقوم عابدين متقين، يسمعونه ويبلّغونه، ويثقون به، ويحققون شروطه لينالوه.

وقد تلقى الصحابة هذا الوعد القرآني، وهم مستضعفون معذبون في مكة -لأن سورة الأنبياء مكية- فوثقوا به، وأيقنوا أنه لا بد من تحققه وإنجازه، ولهذا كانوا يستقبلون أذى واضطهاد الكافرين، وهم على يقين من وراثتهم للأرض، وأنه لا بد من أن يزول الكفر عن مكة وغيرها، ولا بد من أن ينتشر فيها الإسلام، ويرثها المسلمون الصالحون .. وهذا ما تحقق بعد أكثر من عشر سنوات من نزول هذه الآيات.

ثم قام الصحابة المجاهدون بجهادهم الكبير، في بلاد الشام والعراق ومصر وفارس وغيرها، ونشروا فيها الإسلام، وورثوها بأمر الله، وتحقّق على أيديهم الوعد القرآني الناجز: (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ، إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ) .

وبمناسبة الحديث عن وراثة عباد الله الصالحين للأرض، يأتي تقرير عموم رسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم للعالمين: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) . وهذا وعد قرآني آخر، بانتشار رسالته في العالمين، واستمتاع الناس برحمة الله.

وتقرير هذا الوعد والمسلمون مستضعفون في مكة، ملأ قلب الرسول صلى الله عليه وسلم ثقة ويقينًا بنصره وانتشار دينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت