ويخطئ بعض الباحثين من المسلمين في فهم المقصودين من إنقاص الأرض من أطرافها، المذكور في هذه الآية، وفي الآية الأخرى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَاتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [الرعد: 41] . فيعتبرون حديث الآيتين عن (شكل) الأرض البيضاوي، فالله أنقص الأرض من أطرافها، بأن صغّر حجمها عن القطبين الشمالي والجنوبي، والله مد الأرض وكبّرها عند خط الاستواء!.
ونرى أن هذا فهم مرجوح للآيتين، و (شكل) الأرض قد يكون هكذا، مضغوطًا عند القطبين، و (منبعجًا) عند خط الاستواء، لكن إنقاص أطراف الأرض الذي تحدثت عنه الآيتان إنقاص معنوي، وليس ماديًا، وهو يتمثل في إضعاف قوى دول وإمبراطوريات، وتقلص سلطانها، وخروج بعض البقاع في أطرافها عن سيادتها، وانكماش رقعتها الجغرافية.
الوعد بإزالة دول وإنشاء أخرى:
لقد مكن الله لبعض الدول في الأرض، في الماضي والحاضر، فنشرت سلطانها، وبسطت نفوذها، واحتلت بلادًا لغيرها، واستعمرت أقوامًا آخرين، وبقيت على هذا فترة من الزمان.
ولكن الله أضعفها، وأنقص أطراف سيادتها، وجعلها تتراجع عن بعض المواقع، وتنسحب من بعض البلدان.
تحقق هذا في إنقاص أطراف الإمبراطورية اليونانية، والإمبراطورية الرومانية، والإمبراطورية الفارسية، والإمبراطورية الهندية.
وتحقق هذا في العصر الحديث، في الإمبراطورية الإسبانية، ثم الإمبراطورية الفرنسية، والإمبراطورية الألمانية، والإمبراطورية الإنكليزية، وأخيرًا الإمبراطورية السوفياتية.
والآن تنشر الإمبراطورية الأمريكية سلطانها ونفوذها على العالم، وتطوي دوله تحت أجنحتها، وتخطط أن تبقى هكذا للأبد، ولكن الله سيضعف قوتها، ويقلص نفوذها، وسينقص أطرافها، وتتراجع إلى ما وراء المحيط، وسيفتت وحدتها، ويفرِّق ولاياتها الخمسين، ويقسمها إلى عدة دويلات!.
إن إنقاص أطراف الدول الكبرى سنة ربانية مطردة، فالله هو الذي يقوي الدولة، ويمكن لها، ويكتب لها التوسع والامتداد، وهذه الدولة تستخدم قوتها ومواردها وطاقاتها في استعباد الآخرين واستعمارهم، وتظلم وتطغى وتتجبر، وبذلك تستقدم عذاب الله وبأسه؛ ويكون عقابه لها بإنقاص أطرافها، وانفصال أجزائها، واستقلال الأقطار المستعمرة، وتحرير البلدان المحتلة .. ولن تبقى دولة ظالمة قوية غالبة أبدًا: (أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَاتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ) ؟.
وارثة الأرض في التوراة والزبور:
رابعًا: قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ، إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 105 - 107] .
الكلام في هذه الآيات عن وراثة الأرض، ومستقبل عباد الله الصالحين، وعموم بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم للعالمين.
وتتضمن الآيات وعدًا قرآنيًا بالتمكين للإسلام، ونصر أتباعه الصالحين.
وهذا الوعد ليس خاصًا بالقرآن فقط، فقد ورد في كتب الله السابقة، وأنزل على رسل سابقين.
تخبُر الآية أن هذا الوعد مذكور في الزبور، وهو كتاب الله الذي أنزله على داود عليه السلام: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ) .
والمراد بالذكر في الآية التوراة، التي أنزلها الله على موسى عليه السلام، وصفها الله بهذه الصفة في هذه السورة، وذلك في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ) [الأنبياء: 48] .