وذكر هذه الحقيقة القرآنية لتهديد كفار قريش، وإخبارهم بأن العذاب قادم إليهم، إن لم يتوقفوا عن الكفر والتكذيب، والظلم والتعذيب، ولذلك عرضت الآيات اللاحقة مشهد إهلاك الظالمين السابقين. قال تعالى: (وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَانَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بَاسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ، لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ، قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ، فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ) [الأنبياء: 11 - 15] .
السنة الربانية في الصراع بين الحق والباطل:
ثانيًا: قوله تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) [الأنبياء: 18] .
تقرر هذه الآية حقيقة قاطعة، تحدد نهاية الصراع بين الحق والباطل، تلك النهاية التي يحددها الله بحكمته، في الزمان والمكان والأسلوب المناسب، والتي يُزهَق فيها الباطل ويُنْصر الحق.
وسبق هذه الآية آيتان تتحدثان عن (الجدية) في أفعال الله، وتنفي عنها اللعب والعبث. قال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ، لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء: 16 - 17] .
خلق الله السماوات والأرض لحكمة، ولم يكن لاعبًا في خلقه لهما سبحانه، وأفعاله منزهة عن اللهو والعبث! ولو أراد أن يتخذ لهوًا لاتخذه من عنده، وما كان ليفعل ذلك.
و (إِن) في قوله: (إِن كُنَّا فَاعِلِينَ) حرفُ نفي بمعنى (ما) : أي: ما كنا فاعلين ذلك اللهو.
ونفي اللعب واللهو عن أفعال الله، في سياق الحديث عن المواجهة بين الحق والباطل، مقصود، ليبين أن الله حكيم في توجيه هذه المواجهة، ورسم خطواتها ومراحلها وأحداثها.
إن الصراع بين الحق والباطل سنة ربانية، وإن إزهاق الباطل سنة ربانية، وإن انتصار الحق على الباطل سنة ربانية. وقد وعد الله المؤمنين بإنفاذ هذه السنة، لأن سنة الله لا تتغير ولا تتبدل، ووعد الله لا يُخلف أو ينقض.
وكل قصص القرآن معرض عملي لإنجاز هذا الوعد، وتحقيق هذه السنة، وكل حركة للمسلمين الصادقين المجاهدين، على مدار التاريخ الإسلامي، معرض عملي إسلامي لهذه السنة، وتفسير إسلامي للوعد الجازم في هذه الآية: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) .
الحق يدمغ الباطل:
ولنستمع بالصورة الفنية العجيبة الحية، التي تعرضها الآية، للصراع بين الحق والباطل.
إنها صورة عسكرية صاروخية متحركة، نتخيلها في خيالنا الفاعل، ونحن نقرأ الآية، وكأننا أمام (فيلم تلفزيوني مصوّر) لمراسل عسكري، يبثه بثًا حيًا على القناة الفضائية: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) !.