وأنزل الله عليه صلى الله عليه وسلم وهو في طريق الهجرة آية أخرى، يعده فيها وعدًا قاطعًا بالعودة إلى مكة، فاتحًا ظافرًا. وهي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) [القصص: 85] .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: (لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) : لرادك إلى مكة كما أخرجك منها.
وقال الضحاك: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فبلغ الجُحْفَة، اشتاق إلى مكة، فأنزل الله عليه قوله: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) : يعني: إلى مكة.
وقد صدقه الله وعده، فأعاده إلى مكة، بعد حوالي تسع سنوات من نزول هذه الآية، حيث عاد إلى مكة فاتحًا، وجعلها دار إسلام وإيمان.
ماذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يحطم الأصنام؟:
ولما صدق الله رسوله صلى الله عليه وسلم وعده، وأعاده إلى مكة فاتحًا، في رمضان من السنة الثامنة من الهجرة، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة، وحطم الأصنام التي فيها، وهو يتلو آيات الوعد، التي نزلت عليه قبل حوالي تسع سنوات.
روى البخاري [برقم: 2478] ، ومسلم [برقم: 1781] عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بعود في يده، وجعل يقول: (وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) [الإسراء: 81] ، ويقول: (جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ) [سبأ: 49] .
وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وحول البيت ثلاثمئة وستون صنمًا، تُعْبَد من دون الله، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأُكِبَّتْ على وجوهها، وهو يقرأ قوله تعالى: (جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) [تفسير ابن كثير: 3/ 63] .
إزهاق الحق للباطل الزهوق:
واللطيف أن قوله تعالى: (جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ) وعد نظري من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، بانتصار الحق وهزيمة الباطل، وقد حقق الله له هذا الوعد بعد سنوات معدودة، عندما فتح له مكة، وحطم الشرك بها، المتمثل في الأصنام التي كان المشركون يعبدونها!.
متى زهق الباطل؟ ومتى تحطمت الأصنام؟ ومتى حقق الله هذا الوعد؟.
لقد تحقق ذلك بعد سنوات عديدة، أمضاها الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة، بلغت ثلاث عشرة سنة، كان يربي فيها أصحابه، وسنوات في المدينة، قاربت تسع سنوات، قضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، في تربية أصحابه ومحاربة أعدائه.
فلما وُجِدَ الجيل القرآني الفريد المجاهد، الذي صدق مع الله، وحمل رسالة الإسلام، وجاهد أعداء الله، أنزل الله عليه نصره، وصدَقه وعْده.
عند ذلك تم تحطيم الأصنام بسهولة، وبحركة خفيفة من عصا صغيرة، بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم .. لقد حطم الرسول صلى الله عليه وسلم الأصنام في قلوب الناس أولًا، حيث لم يستغرق ذلك إلا دقائق!.
إن الباطل زهوقٌ زائل، ذاهب هالك مضمحل، لكن بشرط أن يتمثل الحق في صورة وجود فعلي، مؤثر قوي، يعتمد فيه أصحابه على الله القوي القاهر!!.