ثانيًا: قال تعالى: (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا، وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا) [الإسراء: 80 - 82] .
يوجّه الله رسوله صلى الله عليه وسلم إلى أن يطلب منه التوفيق والسداد، بأن يلهمه اختيار المكان المناسب، والقرار المناسب، والتصرف المناسب، ويسأل ربه أن يدخله مدخل صدق، ويخرجه مخرج صدق، وأن يجعل له سلطانًا قويًا، ونصرًا كريمًا.
ويبشر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن الحق الذي معه سينتصر على الباطل الذي عليه قومه، وسيزهقه ويقضي عليه، ويخبره أن الباطل ضعيف زائل زهوق، ولا يمكن أن يقف أمام الحق.
ويخبره أنه جعل القرآن شفاء للمؤمنين، ورحمة منه سبحانه يرحمهم بها، أما الكافرون فإنهم يعرضون عن القرآن، ولذلك لا يُرحمون به، وإنما يزدادون به ضلالًا وعمى، وعنادًا وخسارة.
وهذه الآيات من سورة الإسراء أُنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هجرته من مكة إلى المدينة، ولذلك قُدّمت له البشرى بالفرج، والوعد بالنصر.
والمراد بمدخل الصدق دخوله المدينة، والمراد بمخرج الصدق خروجه من مكة، والمراد بالسلطان النصير: التمكين والتأييد، الذي منحه الله له في المدينة.
من أقوال السلف في ذلك الوعد:
قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم أُمِر بالهجرة، فأنزل الله قوله تعالى: (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا) .
وقال الحسن البصري: لما ائتمر كفار مكة برسول الله صلى الله عليه وسلم، ليقتلوه أو يطردوه أو يوثقوه، وأراد الله قتال أهل مكة، أمره الله أن يخرج إلى المدينة، وأن يقول: (رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) .
وقال قتادة: (رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ) : المدينة. (وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) : مكة.
وقال الحسن البصري في تفسير قوله: (وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا) : وعد الله رسوله صلى الله عليه وسلم، لينزعن عزّ فارس وملك فارس، وليجعلنه له، وملك الروم وعِزّ الروم وليجعلنه له.
وقال قتادة في تفسيره: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم أنه لا طاقه لنا بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل السبطان نصيرًا لكتاب الله، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله، فإن السلطان رحمة من الله، جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، فأكل شديدهم ضعيفهم" [تفسير ابن كثير: 3/ 62 - 63] ."
وتشير الآيات إلى حفظ الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، فهو سبحانه معه بتوفيقه وتأييده، ونصره وتسديده، يأخذ بيده لما هو الخير له، ويعده بالتمكين.
وهذا الوعد الصادق مهم، في الحالة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند نزول الآيات عليه، حيث كان مطاردًا من قبل قريش، وكان عيونها يراقبونه في كل مكان، وليس معه من البشر إلا صاحبه الصديق رضي الله عنه، وكل من حوله ضده .. ومع ذلك يأتيه الوعد من الله بانتصار دينه، وهزيمة أعدائه، وينزل الله عليه هذه الآيات ليزداد أملًا وثقة وتصديقًا وإيمانًا بتحقق وعد الله.
وكان صلى الله عليه وسلم كله يقين بذلك، ولذلك وعد سراقة بن مالك بسواري كسرى!.
رد الله رسوله إلى مكة: