وصْفُ الإسلام في هذه الآية بأنه: (دِينِ الْحَقِّ) هو نفسه وصفه بآية سابقة بأنه دين الحق، وذلك في قوله تعالى: (وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ) ، فأهل الكتاب من اليهود والنصارى، يدينون بدين، أصله سماوي من عند الله، ولكنهم عدَوْا على ذلك الدين فحرفوه وغيروه وبدلوه، وبذلك صاروا يدينون دين الباطل، وليس دين الحق.
دين الحق في قوله: (وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) هو نفسه دين الحق، المذكور في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) .. وهذه لفتة مقصودة في كتاب الله.
إظهار دين الله على الدين كله:
وقد قدر الله الحكيم إظهار الإسلام على الدين كله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) .
اللام في (لِيُظْهِرَهُ) لام العاقبة، التي تدل على العاقبة والنتيجة، فعاقبة ونتيجة إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم بالدين الحق، هي إظهار هذا الدين على الدين كله، فالهاء في (لِيُظْهِرَهُ) تعود على الإسلام الدين الحق. والمراد بالدين كله أي دين آخر غير الإسلام، ويدخل فيه الأديان ذات الأصل السماوي، كاليهودية والنصرانية.
لقد كانت اليهودية في الماضي السحيق دين الحق، الذي أرسل الله به رسله إلى بني إسرائيل، ولما حرّفها اليهود بعد ذلك لم تعد دين الحق، وأصبحت بذلك التحريف الدين الباطل .. وكانت النصرانية زمن عيسى عليه السلام دين الحق، ولما حرّفها النصارى بعد ذلك لم تعد الدين الحق.
سيُظهِر الله الإسلام الدين الحق، على الدين الباطل كله، ولو كره المشركون المتبعون للدين الباطل، فكراهيتهم لا قيمة لها عند الله، فسواء كَرِهوا أو رفضوا، وسواء وافقوا أو عارضوا، فلا وزن لهم عند الله.
وجواب شرط قوله تعالى: (وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) محذوف، دل عليه ما قبله، أي: لو كره المشركون إظهار الإسلام على الدين كله، فإن الله سيظهره.
مظهران لإظهار الإسلام على غيره:
وإظهار الإسلام على الدين كله له مظهران:
المظهر الأول: مظهر معنوي، إظهار الإسلام فيه بمعنى وضوح حججه وأدلته وبراهينه، وقوة منطقه، وصدق حقائقه وموضوعاته ومضامينه.
المظهر الثاني: مظهر مادي؛ يقوم على انتصار الإسلام على الكفر، وانتصار المسلمين على الكافرين في الجهاد والقتال، وفتح البلدان والممالك، ودخول الناس في الإسلام.
وهذا وعد صادق من الله، يتعامل معه المؤمن بثقة ويقين، ويعتقد أنه لا بد من أن يتحقق، لأنه الله لا يخلف الميعاد.
وقد تحقق المظهران المذكوران فظهار الإسلام على الدين كله، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فكانت حجة الإسلام بالغة، وآياته ساطعة، وفتح الله له البلاد، في الجزيرة العربية والشام والعراق ومصر وغيرها، ودخلت الشعوب المختلفة في هذا الدين .. وعاش المسلمون سعداء بالإسلام قرونًا عديدة.
ولكن المسلمين في هذا العصر تخلوا عن الإسلام، ولم يلتزموا بما أمرهم الله به، فذلوا وضعفوا، وهزمهم الأعداء، وطمعوا في بلادهم وثرواتهم.
الإظهار الفكري المعاصر للإسلام:
ورغم انحسار الإسلام عن الوجود المادي المؤثر، وعدم تحقق المظهر المادي لإظهاره على الدين كله، بسبب تقصير المسلمين، وإخلالهم بشروط هذا التمكين المادي، فإن الإظهار المعنوي متحقق، ومستمر طيلة قرون التاريخ الإسلامي.
لقد أظهر الله الإسلام على الكفر، المتمثل في دين المشركين واليهود والنصارى، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيده بالحجج والآيات والبراهين، كما أظهره على كل الأديان والأفكار والمبادئ الكافرة، طيلة قرون التاريخ الإسلامي.