ولكن الأمة - في التيه - لم تدرك القضية على حقيقتها ، وظنت أنه من دلائل"التقدم"أن يصوغ الإنسان قيمه بنفسه ، ويحدد معاييره ! أليس الله قد وهب للإنسان عقلا يفكر به ؟ وها هو ذا الإنسان يشغّل عقله ليضع منهاج حياته ، مستعينا بثمار العلم وثمار التجربة .. وأي إنسان هو الذي يصنع ذلك ؟! إنه"ذلك"الإنسان ! القوي المتمكن المتفكر المتعمق ، الذي يسيطر على كل الأرض ، والذي نحبو نحن من خلفه حَبْوًا ، بينما هو يكتسح الطريق !
لم تدرك الأمة أوجه الخلل في هذه القضية .
لم تدرك أولا مجالات العمل المطلوبة من العقل البشري ، الذي أنعم الله به على الإنسان ، وفضّله به على كثير ممن خلق ..
( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) (1) .
إن المجال الأول والأعظم لهذا العقل هو الاهتداء إلى وحدانية الله سبحانه وتعالى ، ومن ثم عبادته وحده بلا شريك . فالإنسان عابد بفطرته .. ودَعْ عنك موجة الإلحاد المصطنعة التي روّج لها شياطين الأرض في هذا القرن الأخير خاصة ، والتي تلاشت من ذات نفسها حين انهارت الشيوعية حامية الإلحاد ، فعاد الناس - المهتدون منهم والضالون - يهرعون إلى مساجدهم وكنائسهم ومعابدهم كأن لم يكونوا قد ألحدوا قط !
الإنسان عابد بفطرته .. وإنما الفرق بين عابد وعابد أن احدهما يعبد الله الحق ، ويعبده وحده بلا شريك ، وآخر يعبد آلهة أخرى غير الله ، معه أو من دونه ، ويتصور الله على غير حقيقته ، أو يعبد هواه:
( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) (2) .
(1) سورة الإسراء: 70
(2) سورة الجاثية: 23 .