الصفحة 39 من 104

فحين زاد الطغيان عن الحد المحتمل ، أو قل حين دب الوعي بالطغيان في نفوس الأوربيين بعد احتكاكهم بالإسلام ، حاولوا الانسلاخ من نفوذ ذلك الغول البشع الذي يفسد عليهم حياتهم ، فاستقلوا بادئ ذي بدء في كنائس - أي مذاهب - لا تخضع لنفوذ البابا ، وانتهى الأمر إلى أن تصبح تلك السلخ المنسلخة قوميات ووطنيات ..

ثم قامت بينها الحروب التي كادت تعصف بكيان أوربا ، لولا تزامن أمرين اثنين على الأقل أعطيا تلك القوميات قوة ورسوخا ظن الأوربيون أنهما من طبيعة القومية والوطنية فزاد تمسكهم بهما ، حتى أدركوا أخيرا مقدار الشر الكامن فيهما ، فأخذوا يحاولون التجمع تحت رايات جديدة تذيب حواجز القومية والوطنية ، وتجمّع أوربا في وحدة شاملة (1) ..

أما الأمران اللذان أعطيا القوميات قوة - لفترة من الزمن - فأولهما الثورة الصناعية ، وثانيهما ضعف العالم الإسلامي !

الأول حفز كل قومية أن تنافس الأخرى بالقوة الاقتصادية الناجمة عن الصناعة ، والثاني جعل القوميات الأوربية تكف - مؤقتا - عن قتال بعضها البعض ، وتتجه إلى غزو العالم الإسلامي ، ونهب خيراته ..

وكان من همّ الغزو الصليبي للعالم الإسلامي أن يفتته لقيمات صغيرة ليستطيع ابتلاعه ، فزين للأمة - وهي في التيه - أن تلقي رداءها ذا النسيج الفذ ، وتتزيا بتلك الأثواب الرديئة النسيج ، المزركشة الألوان ..

ولما فعلت ذلك تم المطلوب ! وازدرد الغرب الصليبي فريسته ، بعد أن ساعدته على نفسها ، بتحويل نفسها إلى فتات !

لم تكن قضايا السياسة وحدها هي التي فسدت وأفسدت الأمة في مرحلة التيه ..

فقد كانت تنحية الشريعة شرًا شاملًا ، شمل من حياة الأمة كل شيء ، وأفسد من حياتها كل شيء ..

لقد أفسدت بادئ ذي بدء عقائد الناس وتصوراتهم عن"الدين".

(1) كانت آخر محاولاتهم هي"السوق الأوربية المشتركة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت