الصفحة 38 من 104

كانت تظن - وهي تتزيا بزي الوطنية والقومية - أنها ترتدي آخر"موضة"في عالم الفكر السياسي ، وأنها تخلع رداءها القديم البالي الذي مرت عليه القرون الطوال !

وحقيقة لقد كان الثوب قد أخذ يبلى .. لا لأنه قديم ! فهو ثوب من طبيعة خاصة ، تتجدد خيوطه - تلقائيا - مع كل جيل جديد .. إنما كان قد أخذ يبلى لأن"الروح"التي تجدد الخيوط كانت قد خمدت في داخل القلوب .

ولم يكن الحل أن تخلع الأمة رداءها .. إنما كان الحل أن تجدده .. فبمجرد أن تحيا العقيدة في القلوب تتجدد خيوط الرداء من تلقاء نفسها ، كما تتجدد أوراق الشجرة بمجرد أن تتحرك العصارة الحية في أليافها:

( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا .. ) (1) .

ولكن الأمة نظرت إلى ثوبها الذي أخذ يهترئ فلم تقدره حق قدره .. لم تقدر قيمته ، ولم تقدر قدرته العجيبة على التجدد ، التي أودعها الله في الكلمة الطيبة ، كلمة لا إله إلا الله ، محمد رسول الله .

خلعته زاهدة فيه .. وهفت في سذاجة - أو في بلاهة - إلى الأثواب المزركشة المستوردة من الغرب ، ولم تختبرها بعين بصيرة لكي تكتشف رداءة النسيج ..

لقد كانت القومية والوطنية ردود فعل أوربية لأزمة أوربية بحتة .. ولم تكن نتاجا"إنسانيا"كما زعم موردوها إلى العالم الإسلامي .

لقد كان طغيان الكنيسة الأوربية بدينها المحرف أساس البلاء كله الذي وقع في الغرب.

(1) سورة إبراهيم: 24 - 25 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت