الصفحة 30 من 59

"وقد هيأت الحروب الصليبية الفرصة أمام أوربا للاتصال الإتجاري مع الشرق، وخلقت فرصًا واسعة أمام مدن جنوب أوربا، وبخاصة مدينة (البندقية) التي حصلت على امتيازات تجارية في المراكز التي احتلتها القوات الصليبية في الشرق، وأخذت البضائع الشرقية تتدفق على البندقية لتوزع على مختلف الأقاليم الأوروبية، ويقابلها من جانب أوربا المنتجات الصوفية والحبوب والخمور؛ وتمتعت البندقية بشبه احتكار ضخم، وتجمع لدى تجارها ثروات ضخمة، الأمر الذي دفع بتجار ومدن الشمال وبخاصة (لوبيك) و (دانتزج) و (همبورغ) و (برنزويك) إلى عقد محالفة تجارية للدفاع عن مصالحهم؛ وأسسوا"عصبة الهانا"وهكذا ظهرت المنافسة التجارية مما ساعد على ازدياد النشاط التجاري بين أوربا والشرق، واستطاع تجار هذه العصبة الحصول على امتيازات اقتصادية في المراكز الرئيسية في أوربا، مثل (برجن) في النرويج و (نوفجرود) في روسيا و (بروكسل) في الأراضي الواطئة."

"هذا النشاط التجاري كان عاملا حاسمًا في ازدياد القوة الاقتصادية للمدن التجارية وبالتالي أهلها: أي الطبقة البرجوازية. ولم يقف السبب في ازدياد ثرائهم عند حد التجارة الخارجية، بل إنهم كانوا يستغلون حاجة أمراء الإقطاع إلى الأموال ليسدوا بها نفقات حروبهم وحياتهم الخاصة، فيقرضونهم مقابل فوائد باهظة، وأهم من هذا أن هذه المدن استطاعت أن تشتري حريتها من الأمراء الإقطاعيين سواء كان الأخيرون من العلمانيين أو من رجال الدين، وأكثر من هذا فقد نشطت الحرف وتنوعت منتجاتها عن ذي قبل، وبهذا صارت الصناعة اليدوية مصدرًا - وإن كانت أقل أهمية وخطرًا من التجارة - لتجميع الأموال؛ وبالتالي لزيادة نفوذ الطبقة البرجوازية وهي التي كان لها الأثر الفعال في العمل على هدم النظام الإقطاعي".

ونحن - من جانبنا - لا نحب أن نغفل أثر العوامل الاقتصادية المعروضة هنا؛ ولكنا نرى أن التحكم البحت هو الذي يدعو إلى إغفال الأثر الإنساني للاحتكاك بين جيوش الصليبيين وجيوش المسلمين، وإلى تأثر الصليبيين بالأوضاع الإسلامية الحرة، التي لا تعرف سلطة أمراء الإقطاع كما يعرفها المجتمع الغربي. . وتأثر الصليبيين بمشاهداتهم في الأرض الإسلامية مسألة تاريخية ثابتة، ففيم هذا التحكم لإغفال أثر الأوضاع الإسلامية الحرة في نفوسهم؟

وعلى أية حال فالثابت تاريخيًا أن نظام الإقطاع - كما صورته الفقرات السابقة في أوربا - لم يكن له وجود في الشرق الإسلامي وبخاصة في الناحية الاقتصادية والناحية السياسية. . لم تكن هناك ارتباطات بين الأشراف وأتباعهم من ناحية التبادل ولا من ناحية الإشراف القانوني والسياسي، فلم يتأثر المجتمع الإسلامي بالعوامل التي تأثرت بها المجتمعات الأوروبية. ولم يسر في الخط التاريخي الذي سارت فيه، ولم يكن لمولد النظام الرأسمالي في أوربا أثر في خط سير المجتمع الإسلامي، ولا في الأسس التشريعية والنظم الاقتصادية التي تضمنتها شريعته قبل مولد النظام الرأسمالي في أوربا بحوالي ثمانية قرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت