الصفحة 29 من 59

على هذا المنوال عالج الإسلام قضية الرق من ناحيتها العملية، إلى أن يجد لها حلا عمليًا من ناحيتها الدولية، وفي هذا الجانب وحده كانت مراعاة الإسلام لواقع الأمر في البشرية يوم جاءها. ومنذ أن جاءها لم يعد لعهد الرق وجود في الوطن الإسلامي، لأن معالم هذا العهد وخصائصه كما ذكرناها قد بهتت في الحياة الاجتماعية الواقعية بحكم تعاليم الإسلام في معاملة الأرقاء، الذين اضطر للامساك بهم فترة من الوقت حتى يتهيأ له عقد ميثاق دولي عام.

فأما عهد الإقطاع بمعالمه وخصائصه التي أسلفنا فلم يوجد قط في الوطن الإسلامي، لأن الإسلام كان قد أخذ عليه الطريق. . لقد وجدت ملكيات كبيرة أحيانًا نتيجة للانحراف عن سياسة المال وسياسة الحكم كما رسمها الإسلام؛ ولكن عهد الإقطاع بخصائصه تلك لم يوجد على الرغم من وجود الملكيات الكبيرة في بعض الأحيان، فلم يقع في المجتمع الإسلامي أن كانت علاقات الإنتاج، ولا حقوق الملاك، على النحو الذي سار عليه نظام الإقطاع في أوربا، وبذلك يمكن القول باطمئنان: إن المجتمع الإسلامي لم يمر بهذا العهد منذ أن ولد الإسلام إلى الآن.

كذلك الأمر حين ننظر إلى موقف الإسلام من عهد الرق، فمنذ سيطرة الإسلام لم يعد للرق خصائصه التي عرف بها في المجتمع العربي، وكل علاقة الإسلام به أنه جاء فوجده قائمًا، فأخذ في تجفيف موارده، يقصر أسباب الاسترقاق على الحرب الشرعية وحدها - وكان في هذا يعالج الواقع كما أسلفنا - كما أخذ في تفتيت مقوماته الاقتصادية بتقرير مبدأ التكافل الاجتماعي (الذي سنفصل القول فيه فيما بعد) ومقوماته القانونية بالتسوية بين جميع الناس في الحقوق، ومقوماته الاجتماعية بإزالة الحواجز بين السادة والعبيد، بل بتسوية الموالي وتوليتهم القيادة.

لذلك كله يمكن القول باطمئنان: إن المجتمع الإسلامي لم يعرف عهد الرق ولا عهد الإقطاع، ولم يعترف بخصائصهما التقليدية في أية فترة من فترات التاريخ ولم يكونا أحد الأطوار التاريخية التي مر بها المجتمع الإسلامي.

ولقد عرفت المجتمعات الأوروبية - بعد نظام الإقطاع - نظامًا جديدًا هو النظام الرأسمالي، عرفته في عهود تاريخية متأخرة، إذ بدأت بذوره مع الحروب الصليبية في القرن الحادي عشر الميلادي: أي بعدما اطلعت أوربا على النظم الاجتماعية الإسلامية وتأثرت بها، فكرهت نظام الإقطاع الذي كان سائدًا فيها، وهذا السبب يغفله أصحاب النظريات المادية لأنهم لا يريدون أن يدخلوا العنصر الإنساني في خط سير التطور التاريخي ويكتفون بإبراز الأسباب الاقتصادية التي صاحبت الحروب الصليبية، ونشأة المدن التجارية في جنوب أوربا.

واتباعًا لهذه النظرية يلخص الدكتور راشد البراوي في كتاب"النظام الاشتراكي"أسباب انهيار النظام الاقطاعي وبروز النظام الرأسمالي فيقول:

"ذلك أن قوى انتاجية جديدة ظهرت وصارت أصلح لتقدم الجماعة، وهذه القوى الإنتاجية الجديدة ما كانت لتستطيع أن تجد مجال نشاطها وعملها واسعًا أو على الأقل ممكنًا طالما استمرت العلاقات الإقطاعية قائمة من نواحيها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت