فهرس الكتاب

الصفحة 448 من 471

الجانب عندما يتعلق الأمر بالمؤمنين وبالشدة والعزة والإباء عندما يتعلق الأمر بأعداء الله المحاربين.

يقول ابن عاشور عند آية سورة المائدة:"فالمراد هنا بالذل بمعنى لين الجانب وتوطئة الكنف، وهو شدة الرحمة والسعي للنفع، ولذلك علق به قوله {على المؤمنين} ... والأعز جمع العزيز، فهو المتصف بالعزة وهو القوة والاستقلال ... وفي [أي الجمع بين صفتي الذلة والعزة] إيماء إلى أن صفاتهم تسيرها آراؤهم الحصيفة [المنقادة للشرع] فليسوا مندفعين إلى فعل ما إلا عن بصيرة، وليسوا ممن تنبعث أخلاقه عن سجية واحدة بأن يكون لينًا في كل حال، وهذا هو معنى الخلق الأقوم، وهو الذي يكون في كل حال بما يلائم ذلك الحال، قال [الشاعر] :"

حليم إذا ما الحلم زين أهله مع الحلم في عين العدو مهيب"اهـ."

وهذا الذي ذكره الله في هذا الموضع من ضرورة وإيجاب التصرف في كل حال ومع كل قوم بما يناسب المقام شبيه بقوله سبحانه في سورة هود: {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير، ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} ، وهي الآية التي شيبت النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر ذلك المفسرون.

قال الألوسي عند نفس الآية [آية سورة المائدة] :" {أذلة على المؤمنين} عاطفين عليهم متذللين لهم ... وكان الظاهر أن يقال: أذلة للمؤمنين كما يقال تذلل له، ولا يقال: تذلل عليه للمنافاة بين التذلل والعلو لكنه عدي بعلى لتضمينه معنى العطف والحنو المتعدي بها، وقل: للتنبيه على أنهم مع علو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم، ولعل المراد بذلك أنه استعيرت (على) لمعنى اللام ليؤذن بأنهم غلبوا غيرهم من المؤمنين في التواضع حتى علوهم بهذه الصفة ..."اهـ.

قال الشاعر:

ملأ السنابل تنحني لخشوع والفارغات رؤوسهن شوامخ

إن الإيمان إذا سكن في القلب واستجابت لذلك الجوارح تحول المؤمن إلى شجرة طيبة ريحها وثمرها يسقي من ماء غير آسن وأصلها ثابت وفرعها في السماء.

يقول صاحب زبدة التفسير:"أي يظهرون العطف والحنو والتواضع للمؤمنين، ويظهرون الشدة والغلظة والترفع على الكافرين، ويجمعون بين المجاهدة في سبيل الله، وعدم خوف الملامة في الدين، بل هم متصلبون لا يبالون بما يفعله أعداء الحق وحزب الشيطان، من الازدراء بأهل الدين، وقلب محاسنهم مساوئ، ومناقبهم مثالب، حسدًا وبغضًا وكراهة للحق وأهله"اهـ.

قال ابن كثير رحمه الله عند نفس الآية [آية سورة المائدة] :"وهذه صفات المؤمنين الكُهَّل أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه متعززًا على عدوه كقوله تعالى: {أشداء على الكفار رحماء بينهم} ومن علامة حب الله تعالى للمؤمنين أن يكون لين الجانب متواضعًا لإخوانه المؤمنين، متسربلًا بالعزة حيال الكافرين والمنافقين"اهـ.

وهذا ما تضافرت نصوص الوحي لتثبيته في قلوب الناس وليكون من يريد تحقيق أمر التمكين على يديه مثالًا يحتذى في تطبيق هذه الأخلاق الرائعة والعمل بها، ولقد خوطب النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لو كان غليظ القلب شديدًا مع أصحابه لانفضوا من حوله: {ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت