همته، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يعلمون أبناءهم مغازي الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعلمونهم السورة من القرآن.
وقبل أن نترك هذه الخصلة لابد أن نشير إلى أن للجهاد أحكامًا وضوابطًا ليس هذا مجال التفصيل فيها، كما أن له أخلاقًا تبين المجاهد الصادق من غيره. فمن أخلاق المجاهدين الرحمة والشفقة بالناس والأخذ بأيديهم إلى طريق الحق وليس من أخلاقهم التعالى والتكبر واحتقار جهد الآخرين والنظر إليهم بعين الازدراء والسخرية.
فقد كان الصحابة أكبر المجاهدين وأفضل المضحين ولكنهم مع ذلك كانوا {رحماء بينهم} و {أشد على الكفار} ، {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} ، أما الذين يزايدون ببعض بطولاتهم ويتشدقون بذلك، فعليهم أن يراجعوا مسيرتهم ويعرضوها على نقاء السيرة التي تركها رجال خير القرون. فهؤلاء الأفذاذ على ما بذلوه من تضحية وجهاد وعلم وعمل كانوا دائمًا يخافون من أن تحبط أعمالهم وكانوا دائمًا يحتقرون تلك الأعمال مقابل ما أعده الله لهم من جنات النعيم.
فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأل أمين سر النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه هل ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في عداد المنافقين الذين أسر له بهم؟ وهذا التابعي بن أبي مليكة يقول: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد، كلهم يخشى النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول أن إيمانه على مستوى إيمان ميكائيل وجبرائيل، وغير ذلك من الآثار كثير، التي تبين تواضع القوم وانكسار قلوبهم وإخباتها لربها، على عكس كثير ممن رفعوا شعار هذه الفريضة في هذا الزمان أو تصدوا لأعمال دعوية أخرى تتطلب الشجاعة والإقدام فتباهوا على الناس بها وازدروا أعمال غيرهم الصائبة.
وذكر هذه المسألة والتركيز عليها من شأنه أن يجعلنا دائمًا - مهما قدسنا من أعمال وتضحيات - في مراجعة دائمة لسيرنا ومسيرتنا وذلك حتى نتدارك عوامل الخلل والنقص والمواطن التي أتى أعداؤنا إلينا منها، ومن ذلك نذكر القضايا التالية:
1 -التشرذم، فلا يعقل في عصر تكالبت علينا فيه الأمم قاطبة والأعداء بجميع أصنافهم أن ينفرد بأمر المواجهة فئة من الناس غير واضعة في حسابها هذه المعادلة، مع ما أوجبه الله سبحانه وتعالى من ضرورة تراص الصفوف والتصاقها ببعضها في ساحات الوغى {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص} .
2 -معرفة أحكام الجهاد ومعالمه حتى نسير في كل خطوة نخطوها على بينة من أمرنا، فالله تعبدنا بما شرع لنا هو لا بما شرعت لنا أنفسنا وأهواؤها.
3 -معرفة الراية التي نقاتل تحتها، وهي الراية التي تكون كلمة الله تحت لوائها هي العليا وليس القتال من أجل القومية أو الحزب أو الجماعة أو الحمية والشجاعة وإنما من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا.
ج - ثالث هذه الصفات: أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين: قال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} ، وقال: {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} ، {ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك} ، نعم هكذا كان حال الرعيل الأول، وذلك كان حال معلمهم معهم، وهكذا يجب أن يكون حال من يريد اقتفاء أثرهم وتحقيق الثمرة التي حققوها، من خفض الجناح ولين