فهرس الكتاب

الصفحة 446 من 471

فتقديم محاب الله ورسوله على الأمور التي جبل الإنسان على محبتها مثل المال والولد والزوج والعشيرة أو النفس أو غيرهما دلالة كذلك على صدق هذه المحبة ومحك لاختبار دعوى من يتشدق بها. {ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا} لماذا؟ {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورًا} .

ولهذا نقل عن السلف قولهم أن قومًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ادعوا محبة الله فاختبرهم الله جل وعلا بقوله في سورة آل عمران: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعون يحببكم الله} [آل عمران: 31] ، وتسمى هذه الآية آية المحنة لامتحانها القلوب في ادعائها هذا.

ومحبة الله عبده رضاه عنه وتيسير الخير له، ومحبة العبد ربه انفعال النفس نحو تعظيمه والأنس بذكره وامتثال أمره والدفاع عن دينه [ابن عاشور: 236] .

وإننا في هذه الأيام وفي هذه الديار لفي أشد الحاجة إلى تذكير هذه المعاني والعمل بمقتضاها وترك ما ينافيها وذلك بعرض أعمالنا وأقوالنا على المحجة البيضاء التي تركنا عليها خير الورى.

ب - ثاني هذه المواصفات: أنه جيل مجاهد لا تأخذه في الله لومة لائم: قال تعالى: {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائمة} ، وقال جل شأنه: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن - إلى قوله - ذلك هو الفوز العظيم} [التوبة: 111] .

والحديث عن الجهاد وأثره في إعزاز أمة الإسلام يطول، ويكفي أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في الأحاديث الصحيحة أن الأمة سيصيبها الذل والصغار إن هي تركت هذه الشعيرة العظيمة وأنه لا يُرفع عنها لباس الهوان هذا إلا العودة الصادقة إلى ممارسة هذه الشعيرة وتربية الأجيال على معانيها وطلب معاليها.

يقول سيد رحمه الله معلقًا على آيتي 38 و 39 من سورة التوبة:"والعذاب الذي يتهددهم ليس عذاب الآخرة وحده؛ فهو كذلك عذاب الدنيا، عذاب الذلة التي تصيب القاعدين واستغلالها للمعادين، وهم كذلك يخسرون من النفوس والأموال أضعاف ما يخسرون من الكفاح والجهاد، ويقدمون على مذابح الذل أضعاف ما تتطلبه منهم الكرام لو قدموا لها الغداء، وما من أمة تركت الجهاد إلا ضرب عليها الذل فدفعت مرغمة صاغرة لأعدائها أضعاف ما كان يتطلبه منها كفاح الأعداء"اهـ.

وقد مثل جيل الصحابة رضوان الله عليهم النموذج الفذ في تطبيق متطلبات الجهاد والشوق إلى ما عند الله، وهذا الأمر له صلة بما قبله، وذلك لأن هذا الجيل أحب الله وأحب لقاءه، فكان يبحث عن أيسر السبل التي توصله إلى محبوبة، فوجد في حب الشهادة والاستشهاد وامتطاء صهوة جوادها الوسيلة المثلى لتحقيق هذا المبتغى.

فكانت تحيتهم هذه نقيض ما قاله من كانوا مع موسى عليه السلام: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ، بل قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم:"اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون".

ولا يتسع المقام إلى العيش مع صور من تلك البطولات فعلى المرء أن يطلبها من مظانها وأن يستلذ بالاطلاع عليها ويجعل ذلك جزءًا من برنامجه التربوي حتى تعلو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت