الصفحة 42 من 67

من الاختلاف عن ظروفنا، فإذا توافق ما يسمّى مناط القياس والحكم بيننا وبينهم نأخذها كاملة، وإذا اختلفت لا نستطيع أن نأخذه بكليّتها ونبني عليها سياسة بهذه الصورة.

أذكر لكم مثالًا حتى يتضح الشاهد؛ عندما كنّا في لندن نقف ونؤيّد الإخوة الجزائريين في جهادهم، بدأت تجنح قيادة الجماعة المسلحة إلى مواجهة المنحرفين من المسلمين فكريًا في البداية، فبدأوا يقولون -نتيجة حمل المذهب والسلفي والعقيدة السلفية الصحيحة التي ليس بيننا وبينهم فيها خلاف-، يقولون:"العقائد الفلانية بدعيّة وكيف نقاتل الحكومة مع مبتدع؟!".

فبدأ الانفراج هكذا، فقالوا: لا نجاهد مع مبتدع على عقيدة غير صحيحة، ثم قالوا: يجب أن نُفرد شيئًا من جهادنا الفكري والأدبي وتأليفاتنا لمواجهة هؤلاء المبتدعة، ثم انتهى الأمر كما تعرفون بقتال المبتدعة وترك ساحة المعركة الأساسيّة.

كان أحد الشيوخ الذي رأى في هذا التوجّه صحّة استشهد يومًا من الأيام بشاهد دلّني على أنّ القضية لا تؤخذ من بطون الكتب، قال:"الحقّ معهم يجب أن نتصدّى للمبتدعة، سُئل الإمام أحمد أيّهما أنفع للمرء أن يصلي ويتنفَّل ويقوم الليل أم يتكلم في المبتدعة؟، فقال الإمام أحمد -رحمه الله-: لو تكلم في المبتدعة فهذا أنفع للمسلمين ولو تنفَّل فهذا خير لنفسه، وما كان أنفع للمسلمين فهو أولى، فانظر إلى الإمام أحمد كيف قّدم الكلام في المبتدعة حتى على العبادة". وانتهى الشاهد.

وهذا جاء به من كتب الإمام أحمد، وإلى هنا الشاهد صحيح والإمام أحمد قاله فعلًا وهي قاعدة أخرجناها من الكتب.

وأنا لم أجد طريقة لنقاشه في أصل القاعدة، فالقاعدة صحيحة، والمبتدع مبتدع والذي على السنة على السنة، ولكن الذي خطر لي حتى نربط بين الواقع الشاهد أن قلت له: الإمام أحمد كان في زمن فيه خلافة، وفيه المأمون والمعتصم، وجيوش المسلمين تفتح في الأمصار، والسبي يأتي للمسلمين من كل الألوان من الشمال والجنوب والأصفر والأسود والأصفر والأحمر، والتجارة تحمل كل شيء، والشعراء في وديانهم يكتبون وأبو تمام والبحتري .. والحضارة قائمة، والأمة ليس فيها أي مشكل، فخرج المبتدعة ببدعة الجهمية وبدعة خلق القرآن، فأصبحت هذه المشكلة رقم واحد للأمة، فالطبيعي أن يتصدى الإمام أحمد -إمام أهل السنة- للمشكلة رقم واحد في زمانه ويجعلها مقدّمة على العبادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت