وفي ذروة المعمعة أرسلت قريش رسولها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرض عليه الملك والمال ومتاع الأرض كله على أن يتخلى عن تلك الدعوة ! فلم تكن العداوة بينهم وبين شخص الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما نجمت العداوة من تمسكه بهذه الدعوة وعدم تخليه عنها ، وهم لا يطيقونها ولا يصبرون عليها ! ثم كان لا بد أن تتحول في النهاية إلى معركة بينهم وبين ممثل الدعوة - عليه الصلاة والسلام - ..
ثم شاء الله أن يؤمن من آمن بلا إله إلا الله ، فكان منهم ذلك الجيل الفريد في التاريخ .. فكيف كانت لا إله إلا الله في حياتهم ، وكيف كان مدلولها لديهم ؟ !
هل كانت مجرد تصديق بأن الله واحد - سبحانه وتعالى - وأنه لا إله غيره في هذا الكون العريض كله ؟ أو كانت مجرد تصديق بالقلب وإقرار باللسان ؟ !
أم كانت في نفوسهم وفي واقع حياتهم شيئا أضخم من ذلك بكثير ، وأعمق من ذلك بكثير ، وأشمل من ذلك بكثير ؟ !
فلننظر إلى حقيقة الواقع ..
كان العرب - كما أشرنا في كتاب"واقعنا المعاصر" (1) - شتيتا متناثرا لا يأتلف ولا يتجمع رغم وجود كل عوامل التجمع ، من وحدة الأرض ، ووحدة البيئة ، ووحدة اللغة ، ووحدة المعتقدات ، ووحدة الثقافة ، ووحدة التاريخ .. ومن هناك التقطهم الإسلام فأخرج منهم"خير أمة أخرجت للناس".
لم تكن الأصنام وحدها هي الأرباب المعبودة في الجزيرة العربية كما تلح بعض كتب التاريخ التي تحصر قضية لا إله إلا الله في إزالة ذلك اللون الحسّي الغليظ من الشرك ، ولا كان الفساد مقصورا على تلك المفاسد الخلقية من الخمر والميسر والزنا ووأد البنات وغارات السلب والنهب والمظالم الاجتماعية كما تلح كتب أخرى من كتب التاريخ !
(1) فصل"نظرة إلى الجبل الفريد ."