خامسًا: قضية الردة
وأدلف الآن سريعًا إلى قضية مهمة؛ وهي التي أظن الكاتب عناها بما كتب ألا وهي قضية الردة، ذلك أنه يذكر في كلامه الذي نقلناه آنفًا أن ما يتعلق بحقوق الله فمرجعه إلى الله يحكم فيه يوم القيامة، وأن ذلك لا مدخل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيه، وأنه لا عقوبة عليه في الدنيا، ويقول بعد ذلك: (( وكل إنسان يرى نفسه على الحق في اعتقاده؛ ولذلك فإن الله تعالى جعل يوم الدين هو يوم الفصل بين العباد في أمور العقائد والاختلافات الدينية ) ).
فهل يريد الكاتب أن يلغي حد الردة من شريعة الله؟
إن عقوبة المرتد في الإسلام معروفة، بينها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (من بدل دينه فاقتلوه) (16) .
وفي الصحيح من حديث ابن مسعود مرفوعًا: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس والثيب الزاني والمفارق لدينه التارك للجماعة) (17) .
قال ابن حجر: (( والمراد بالجماعة: جماعة المسلمين؛ أي فارقهم، أو تركهم بالارتداد فهي صفة للتارك أو المفارق لا صفة مستقلة، وإلا لكانت الخصال أربعًا ) ) (18) .
وعن عثمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إسلام، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس) (19) .
والأئمة الذين يتشدق الكاتب ببعض أقوالهم زاعمًا أنها تفيده في منهجه الباطل مجمعون على وجوب قتل المرتد.
قال مالك - رحمه الله: (( ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم - فيما نرى والله أعلم:(من غير دينه فاضربوا عنقه) ؛ أنه من خرج من الإسلام إلى غيره مثل الزنادقة وأشباههم فإن أولئك إذا ظُهر عليهم قُتلوا ولم يستتابوا؛ لأنه لا تُعرف توبتهم وأنهم كانوا يسرون الكفر ويعلنون الإسلام، فلا أرى أن يستتاب هؤلاء ولا يقبل منهم قولهم، وأما من خرج من الإسلام إلى غيره وأظهر ذلك فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قُتل )) (20) .
وقال ابن عبد البر عند الكلام على نفس الحديث: (( وفقه الحديث أن من ارتد عن دينه حل دمه وضربت عنقه، والأمة مجتمعة على ذلك، وإنما اختلفوا في استتابته؛ فطائفة منهم قالت لا يستتاب على ظاهر الحديث ويقتل، وطائفة منهم قالت يستتاب ) ) (21) .
(16) حديث صحيح أخرجه البخاري (3017) ، (6922) وأبو داود (4351) والترمذي (1458) والنسائي (7/ 104) وابن ماجه (2535) من حديث ابن عباس.
(17) أخرجه البخاري (6878) ومسلم (1676) وأبو داود (4352) والترمذي (1402) والنسائي (7/ 90) وابن ماجه (2534) والدارمي (2451) .
(18) فتح الباري (12/ 201) .
(19) أخرجه أبو داود (4502) والترمذي (2158) والنسائي (7/ 90) وابن ماجه (2533) .
(20) الموطأ (2/ 736) .
(21) التمهيد (5/ 306) .