خامسًا: وأيضًا فإن الحائز على أعلى عدد من الأصوات الصحيحة لا يمكن اعتباره دائمًا حائزًا على أغلبية الأصوات الصحيحة؛ وذلك أننا لو افترضنا مثلًا أن هناك ثلاثة مرشحين يتنافسون على مقعد واحد، ففاز أحدهم بنسبة 40% من الأصوات الصحيحة، بينما حصل كل من المتنافسين الآخرين على 30% من الأصوات الصحيحة، فإن الذي يعد حاصلًا على ثقة الأغلبية هو الأول مع أنه لم يحصل إلا على 40% من الأصوات، وأن 60% من أصحاب الأصوات الصحيحة لا يريدونه، وإذن فهو يمثل الأقلية لا الأكثرية.
ويمكننا أن نضرب مثالًا عمليًا يوضح ما ذكرناه في النقاط الخمس السابقة:
ففي الانتخابات التشريعية الفرنسية عام 1993، والتي فاز فيها تحالف اليمين بأغلبية المقاعد، فإنه وطبقًا لما أوردته وكالات الأنباء كانت النتائج كما يلي:
1)عدد مواطني الجمهورية الفرنسية حوالي 57 مليون شخص.
2)عدد الذين يحق لهم تسجيل أسمائهم في جداول الانتخابات حوالي 40.5 مليون شخص.
3)عدد المسجلين فعلًا حوالي 38.5 مليون شخص.
4)عدد من أدلوا بأصواتهم حوالي 26.5 مليون ناخب.
5)عدد الأصوات الصحيحة 24 مليون صوت.
6)عدد الأصوات التي حصل عليها تحالف اليمين حوالي 13.5 مليون صوت.
ومعنى ذلك أن الذين صوتوا لصالح تحالف اليمين أقل من 24% من مجموع السكان، وحوالي ثلث من لهم الحق في أن يكونوا ناخبين، كما أنهم لا يمثلون أكثر من 35% من مجموع المسجلين فعلًا، ومع ذلك اعتبر تحالف اليمين حائزًا على الأغلبية التي مكنته من تشكيل الحكومة.
وفي بعض الأنظمة الانتخابية تتم عملية الانتخاب على جولتين، وكثيرًا ما تغير الجولة الثانية نتيجة التصويت، فتجعل صاحب أعلى الأصوات هو صاحب أقلها؛ وذلك مثلما حدث في انتخابات الرئاسة الفرنسية عام 1995؛ فقد كانت نتيجة الجولة الأولى حصول المرشح جوسبان على ما نسبته 23.2% من الأصوات، بينما حصل جاك شيراك على نسبة 20.5%، وحصل بالادور على 18.5%، وتوزعت النسبة الباقية على مرشحين أقل حجمًا.
ومعنى ذلك أن جوسبان هو الحاصل على أعلى الأصوات، ولو اكتُفي بتلك الجولة لفاز بالرئاسة، لكن طبقًا لنظامهم الرئاسي فقد أجريت جولة ثانية من الانتخابات بين المرشحيْن الحائزين على أعلى الأصوات وهما جورسبان وشيراك، وكانت النتيجة أن حصل شيراك على 51.84% من الأصوات بينما حصل جوسبان على نسبة 48.16%، ومعنى ذلك خسارة جوسبان مع أنه كان الأعلى في الجولة الأولى، ومعنى ذلك أيضًا أن شعبية شيراك الحقيقية هي فقط نسبة العشرين بالمائة التي حصل عليها أول مرة، أما الزيادة التي جاءته في الجولة الثانية فإنها لم تأته حبًا فيه، ولكنها جاءته كراهية في منافسه.
سابعًا: ثم لا ننسى ما كنا قد ذكرناه من قبل من أن الذي يفوز في الانتخابات ليس هو الأكفأ، وإنما هو من يستطيع أن يخدع الناخبين ويستولي على عقولهم بدعايته ووعوده، وكم أوصلت الديمقراطية إلى سدة الحكم أناسًا يفسدون أكثر مما يصلحون، أو لا يصلحون للحكم أصلًا؛ فهل ننسى أن هتلر قد وصل إلى سدة الحكم بطريقة ديمقراطية، ومذ فترة تمت إقالة الرئيس الإكوادوري (عبد الله بو كرم) لأنه مختل عقليًا، مع أنه قد جاء إلى الحكم بانتخابات ديمقراطية، وما ذلك إلا لما أسلفناه من أن الفوز في تلك الانتخابات إنما يعتمد على القدرة على خداع الجماهير وتخدير مشاعرهم بالوعود البراقة والأماني الكاذبة.