وقال أيضًا: (كل من كان مؤمنًا بما جاء به محمد-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فهو خير من كل من كفر به، وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة، سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية، أو: غيرهم، فإن اليهود والنصارى كفار كفرًا معلومًا بالاضطرار من دين الإسلام، والمبتدع إذا كان يحسب أنه موافق للرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لا مخالف له لم يكن كافرًا به، ولو قُدِّر أنه يُكفر فليس كفره مثل كفر من كذَّب الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) [1] .
قال عبيد ابن أبي نفيع الشعبي: (ومن كُفِّر ببدعة وإن جلت، ليس هو مثل الكافر الأصلي، ولا اليهودي والمجوسي، أبى الله أن يجعل من آمن بالله ورسوله واليوم والآخر، وصام، وصلى، وحج، وزكى، وإن ارتكب العظائم، وضل وابتدع، كمن عاند الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وعبد الوثن، ونبذ الشرائع وكفر، ولكن نبرأ إلى الله من البدع وأهلها) [2] .
وقال الحافظ الذهبي: (وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن من بلغته رسالة النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فلم يؤمن به فهو كافر، لا يقبل منه الاعتذار بالاجتهاد، لظهور أدلة الرسالة، وأعلام النبوة؛ ولأن العذر بالخطأ حكم شرعي، فكما أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر، والواجبات تنقسم إلى أركان وواجبات ليست أركانًا: فكذلك الخطأ ينقسم إلى مغفور وغير مغفور، والنصوص إنما أوجلت رفع المؤاخذة بالخطأ لهذه الأمة، وإذا كان كذلك فالمخطئ في بعض هذه المسائل: إما أن يلحق بالكفار من المشركين وأهل الكتاب مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان، وإما أن يلحق بالمخطئين في مسائل الإيجاب والتحريم، مع أنها أيضًا من أصول الإيمان.
فإن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة: هو من أعظم أصول الإيمان وقواعد الدين، والجاحد لها كافر بالاتفاق، مع أن المجتهد في بعضها ليس بكافر بالاتفاق مع خطئه.
(1) -انظر: (مجموع الفتاوى) (35/ 201) .
(2) -انظر: (الإنصاف سبيل للائتلاف) (ص:173) .