وقال التنويريون هذا هو هو التحرر الحق! فلنصنع نحن في ديننا ما فعلوه هم في دينهم لكي نكون متحررين مثلهم! ولنضع النصوص المقدسة على محك النقد كما فعلوا هم بنصوصهم المقدسة!
أي سذاجة؟! بل أي جهالة؟!
يخطر في بالي ائما صورة رجل يعرج لأن في قدمه شوكة تؤلمه إذا ضغط عليها، فيجيء رجل آخر سليم القدمين، فيقول: إنني أحب أن أعرج مثل هذا الرجل، لأن عَرَجَتَه تعجبني!!
إن النص الذي كان مقدسا عندهم، ظهر لهم - حين أعملوا عقولهم - أنه من أقوال البشر وليس من كلام الله. فزادهم ذلك حقدًا على كنيستهم التي كانت تستذلهم وتحجر على عقولهم، بنصوص تزعم أنها مقدسة وهي غير مقدسة، وتزعم أنها من عند الله وهي ليست من عند الله، وتزعم أنها وحدها هي الحق، بينما الزيف فيها أكثر من الحق:
(وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [1] .
ولم يجعلهم ذلك يزدادون حقدا على الكنيسة ورجالها فحسب، بل دفعهم الغيظ والحنق أن ينبذوا دينهم كله، ما كان فيه من حق وما كان فيه من باطل [2] ، ويستبدلون بالدين العقل، على أنه الأداة التي لا تخطئ ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وأن العقل هو الذي يجب أن يكون محكّما في كل شيء، وأول شيء يحكّم فيه هو الدين! ولا يحكّم فيه ليقرّه، ولكن ليثبت زيفه وعدم معقوليته!!
ولتقل أوربا في دينها ما تشاء! ولكن ما بال التنويريين المسلمين؟!
إن النص الذي أرادوا وضعه على محك النقد ليس كذلك النص الذي تبين زيفه .. إنه النص المحفوظ بحفظ الله، الثابت المتواتر، الذي لم يتغير منه حرف واحد خلال القرون:
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [3] .
فهل يستويان مثلا؟!
وإن النص الذي أرادوا وضعه على محك النقد ليزيفوه، أو يوهّنوه، أو ينفوا حجيته، أو يبرروا الانصراف عنه وعدم أخذه مأخذ الجد، مفتوح للعقل منذ أربعة عشر قرنا ونيفا، فما وجد العقل السليم سبيلا إلى تزييفه:
(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) [4] .
(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [5] .
وكان عند نزوله مفتوحا لمعارضة عنيفة من قريش - وغيرها من القبائل المشركة - فما استطاعوا أن يقفوا له، أو يوقفوا تأثيره في سامعيه، أو يأتوا بمثله، أو يزعموا أن في طوق بشر أن يأتي بمثله.
فماذا تملك إزاءه عقلانية الغرب، غير ما قاله المعارضون الأولون؟
ساحر أو مجنون! بل افتراه! بل هو شاعر! إنما يعلمه بشر! إن هي إلا أساطير الأولين اكتتبها! إن تتبعون إلا رجلا مسحورا!!
(1) سورة آل عمران [78] .
(2) يقول سبحانه وتعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) [المائدة: 14] .
(3) سورة الحجر [9] .
(4) سورة النساء [82] .
(5) سورة محمد [24] .