الصفحة 39 من 60

ونسوا أن حال الأمة الإسلامية في جمودها يختلف في أسبابه عن حال أوربا في عصورها الوسطى المظلمة، وإن تشابهت الصورة في بعض جوانبها. فقد كان السبب في الجمود الفكري في أوربا أن الكنيسة حجرت على العقل أن يفكر، ورفعت ذلك الشعار الذي يقول:"آمن ولا تناقش"! وأن السبب في موقف الكنيسة هذا كان كامنا في طبيعة الدين الذي آمنت به الكنيسة الأوربية وقامت على نشره، وهو الدين المحرف الذي أثبتنا من قبل أقوال بعض مؤرخيهم ومفكريهم في مخالفته الصريحة لدين عيسى عليه السلام، والذي يحوي أمورا يعجز العقل عن إدراكها، فزعمت الكنيسة أنها"أسرار"، وادعت أنه لا يعلم تأويل هذه الأسرار إلا آباء الكنيسة، وهم وحدهم المفوضون بتفسيرها، ولا يحق لأحد أن يناقشهم فيما يقولون، وإلا اعتبر مهرطقا، وحكم عليه بالحرمان (أي الحرمان من رحمة الله) إن لم يحكم عليه بإهدار دمه، أو حرقه حيا في النار ..

هذا هو الذي أشاع الجمود والظلام في الفكر الأوربي في العصور الوسطى، وليس الدين من حيث هو. فالدين الحقيقي الذي ارتضاه الله للناس، وقال فيه سبحانه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا) [1] بسيط غاية البساطة، واضح غاية الوضوح: إله واحد لا شريك له، الكل مخلوقاته، والكل عبيده، وهو المتفرد بالألوهية وحده. ومن ثم لم يكن محتاجا إلى الحجر على العقول ليتقبله الناس بلا نقاش، بل دعا الناس إلى التفكير، بل إلى إمعان التفكير، بل ندد بالذين لا يفكرون، ولا يعقلون، ولا يتذكرون، ولا يتدبرون، واعتبرهم معطلين لقواهم العقلية التي وهبها الله لهم لتعمل لا لتكف عن العمل:

( .. لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [2] .

(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [3] .

ومن ثم فإنه لما تجمد الفكر عند المسلمين لم يكن الدين هو سبب الجمود، بل كان السبب هو البعد عن حقيقة الدين، وإن ظل الناس متمسكين بقشور، أو بتقاليد يحسبونها هي حقيقة الدين!

كذلك فإن الحل الأوربي للقضية لم يكن ليحل قضية المسلمين، ولا ينبغي لهم أن يتخذوه، لأن طريقهم غير طريقهم، وظروفهم غير ظروفهم، ودينهم غير دينهم!

فالحل الأوربي أولا لم يكن حلا سليما حتى لمشكلتهم الخاصة، فهم بدلا من تصحيح الدين نبذوا الدين كله وخاصموه! وهذا الحل الأعوج هو الذي أدى إلى ما نراه اليوم في عالم الغرب من انتشار الأمراض النفسية والعصبية، والخمر والمخدرات والجريمة، والانحلال الخلقي البالغ حد البشاعة، والشذوذ، وزنا المحارم، وغيره من الموبقات التي تشمئز منها كل فطرة سليمة .. والتي تؤذن بانهيار تلك المجتمعات حسب سنة الله.

ثم إنهم لم يكتفوا بنبذ الدين، بل هاجموه بضراوة، انتقاما من قرون الظلام التي كبلهم فيها دين الكنيسة، ومنعهم من الانطلاق والبناء والتعمير .. وكان جزءا من هجومهم عليه توجيه النقد إلى النص الديني ذاته، لتوهينه، أو بيان عوجه وضعفه، أو نفي حجيته، أو تبرير عدم أخذه مأخذ الجد ..

(1) سورة المائدة [3] .

(2) سورة الأعراف [179] .

(3) سورة الحج [46] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت