الصفحة 38 من 60

في الفترة الأخيرة من حياة الأمة الإسلامية كان فكر الأمة قد تجمد في قوالب معينة، يدور في داخلها ولا يتعداها، ويكرر نفسه في تقليد لا أصالة فيه، وأصبح"العلم"استظهارًا لما سبق به الأولون، مع فارق واضح بين المبدع الذي أبدع الفكر أول مرة، والمردد الذي يردده مختصرا أو محشّيا أو شارحا أو ناقلًا. فالأول عنده الموهبة التي مكنته من الإبداع، والثاني عاجز عن إحداث أي جديد.

ومضت فترة من الركود لم تحس الأمة فيها بالحاجة إلى فكر جديد! فما عندها يكفيها، سواء ما كان قد فكر فيه العلماء لمواجهة حاجات المجتمع في وقتهم، أو ما تخيلوا حدوثه في يوم من الأيام فقالوا: أرأيت لو حدث كذا! فلما حدث ما تخيلوه وجد الناس أجوبة جاهزة تغطي كل احتياجاتهم، فأخلدوا إلى تراثهم، ووقفوا عنده، وجمدوا عليه، ورأوا ألاّ ضرورة للاجتهاد، بل نظروا إلى الاجتهاد على أنه بدعة مرفوضة، بل شر مستطير!

ثم زحف التغيير على العالم الإسلامي زحفا عنيفا مع الموجة الصليبية الزاحفة، التي تحمل - بالنسبة للعالم الإسلامي - جديدا في كل شيء .. جديدا في العلم، جديدا في أدوات الحرب، جديدا في عمارة الأرض، جديدا في أحوال المرأة .. وجديدا في عالم الفكر ..

وكان أمرًا طبيعيا أن يحدث الصدام .. وكان متوقعا كذلك أن ينهزم الجمود أمام الحركة الموارة، وينهزم أمام المدّ الجارف.

ورأى المنهزمون - في رؤيتهم الانهزامية - أن الذي انهزم هو"الدين"! وأن الذي انتصر هو"الفكر الحر"! وأن الدين جدير أن ينهزم، بينما الفكر الحر جدير بالانتصار!

ثم قالوا - أو قيل لهم - إنه هكذا كان حال أوربا في عصورها الوسطى المظلمة، أيام أن كان الدين هو المسيطر على فكر الناس، فكان جمودا وظلاما وانغلاقا وتقليدا وانحصارا .. ثم لما حطم الناس نفوذ الكنيسة وتمردوا عليه،"تحرروا"وانطلقوا وجددوا وأبدعوا وصارت لهم القوة والسلطان.

ومن ثم قالوا - أو قيل لهم - اصنعوا مثل ما صنعت أوربا .. حطموا الدين وأغلاله، لكي تتحروا وتنطلقوا، وتجددوا وتبدعوا، وتصير لكم القوة والسلطان!

ونسي المنهزمون - في بهرتهم - حقائق كثيرة!

نسوا ان الذي أخرج أوربا من جمودها وانغلاقها كان هو الإسلام! فإن احتكاك أوربا بالإسلام، سواء في الحروب الصليبية أو العلاقات التجارية أو التأثير الثقافي، هو الذي جعلها تشعر بما في حياتها من ظلام وجمود وتأخر، وتسعى إلى الخروج منه، بعد أن عاشت فيه قرونا متوالية لا تشعر بما فيه من الظلام!

ونسوا أن الجمود الذي أصاب الأمة في عهدها الأخير لم يكن سببه الإسلام، إذ لا يمكن - بداهة - أن يكون الإسلام هو الذي بعث هذه الأمة ذات يوم، وحثها على التفكير في كل اتجاه، فأنتجت فكرا متفتحا صنع حضارة فائقة عاشت عدة قرون تنمو وتزدهر وتبدع في كل مجال، ثم يكون هو ذاته السبب في الجمود والركود والقعود عن التفكير والقعود عن الإبداع! إنما لا بد أن يكون شيء آخر هو الذي أفضى إلى ذلك الجمود، وأن هذا الشيء حري أن يكون هو البعد عن مصدر الطاقة المشعة في هذا الدين، وإن حافظ الناس عليه تقاليد خاوية من الروح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت