الصفحة 24 من 60

وقد كان يمكن أن يغفر لهم ذلك لو أن هذا الدين - كما أنزله الله - كان غير قابل في ذاته للتطبيق في عالم الواقع. أما وقد طبق بالفعل عدة قرون، فلا عذر للناس حين ينحرفون عنه أو يتقاعسون عن تكاليفه، وعليهم وزرهم، ويتحملون مسئولية ما يحدث لهم، وعليهم أن يصححوا خطأهم ويعودوا إلى الصواب.

وهنا تثور اعتراضات وشُبَهٌ تختلط فيها النوايا الطيبة بالنوايا الخبيثة، والجهل من بعض الأتباع والحقد من الأعداء، والنظرة السطحية التي لا تتعمق الأمور!

بعضهم يقول: أين هو الإسلام الذي تتحدثون عنه؟ إنه لم يعش إلا فترة قصيرة أيام الرسول صلى الله عليه وسلم والخلافة الراشدة .. ثم بدأ الانحراف! فأي إسلام تريدون؟! ويركز المستشرقون وتلاميذهم على هذا المعنى تركيزا شديدا، لأمر ظاهر، هو تخذيل المسلمين عن العودة إلى الإسلام، بدعوى أنهم يبحثون عن سراب لا حقيقة له، فقد ذهب الإسلام بعد الخلافة الراشدة ولم يعد له وجود حقيقي في الأرض!

وبعضهم يقول: إن الإسلام كان خطوة تقدمية بالنسبة لعصره، ولكنه استنفد أغراضه، وتجاوزته البشرية، فصار بالنسبة لها اليوم تخلفا لا يليق!

وبعضهم يقول: لو كان الإسلام نظاما صالحا لكل زمان ومكان كما تقولون فلماذا وصل المسلمون إلى الحال الذي وصلوا إليه، ولماذا لم يعصمهم الإسلام من الهبوط الذي صاروا إليه؟

وكلها أضاليل!

فأما المقولة الأولى، التي يقولها بعض الناس بحسن نية حين يعيشون بأرواحهم مع ذلك الجيل الفريد الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيعز عليهم أن هذا المستوى الرائع لم يدم طويلا كما كانوا يحبون، ويقولها بعضهم بسوء نية، ليخذلوا المسلمين - كما قلنا - عن محاولة العودة إلى الإسلام، ويروحون في حقد لئيم ينبشون التاريخ، ليستخرجوا منه شواهد تشفي غليلهم ضد الإسلام، يتخذونها دليلا على أن الإسلام لم يعش إلا فترة قصيرة لا تستحق أن يفرد لها فصل في تاريخ البشرية! في الوقت الذي يغضون الطرف فيه عن مخازي الجاهلية المعاصرة ولا يكادون يذكرونها، وهي جرائم وبشاعات تهتز لها السموات والأرض، إنما يذكرون فقط ما في هذه الجاهلية من معاني الخير والسمو والسموق!!

والرد على هذه المقولة - سواء بالنسبة لمن يقولها بحسن نية أو يقولها بسوء نية - هو التاريخ!

إن الذي ذهب ولم يعد لا يمكن أن يقوم بتلك الفتوحات الرائعة، التي شملت في أقل من خمسين عاما ما بين الهند شرقا إلى المحيط غربا، ولم تكن مجرد فتح للأرض، وإنما كانت فتحا للقلوب، لتهتدي إلى النور الرباني وتخلع عنها رداء الجاهلية لتدخل في دين الله.

إن التوحيد - بصفائه ونقائه وعمقه وشفافيته - هو أثمن ما أهدته هذه الأمة للبشرية، لتخرجها من الظلمات إلى النور، وترفع عنها لعنة الشرك وتدخلها في رحمة الله. فأنّى للذي ذهب ولم يعد أن يقوم بذلك، ويثابر عليه عدة قرون؟!

والذي ذهب ولم يعد لا يمكن أن يقدم تلك الحضارة الفذة التي عاشت قرونا جمعت فيها خير الدنيا والآخرة، وكانت هي باعث النهضة في أوربا حين احتكت بالمسلمين.

والذي ذهب ولم يعد لا يمكن أن يقدم تلك الحركة العلمية الفائقة التي شملت مجالات واسعة من المعرفة، وكان أبرز ما وفقت إليه هو استخدام المنهج التجريبي في البحث العلمي، الذي هو أساس كل التقدم العلمي الذي حدث منذ ذلك التاريخ إلى وقتنا الحاضر.

كلا! لا يمكن أن يكون الإسلام قد ذهب ولم يعد، وهذا هو إنتاجه الضخم في واقع الأرض!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت