الصفحة 23 من 60

(فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) [1] .

"مر ثلاثة رهط ببيت من بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوا عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالّوها وقالوا: أين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غفر له من ذنبه ما تقدم وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثاني: وأما أنا فأقوم الليل ولا أنام، وقال الثالث: وأما أنا فلا أتزوج النساء. فلقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأعْبَدُكم لله، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" [2] .

ولذلك لم يكن الإسلام دينا أخرويا يهمل الحياة الدنيا، كما أنه ليس دينا دنيويا يهمل الآخرة، إنما هو دين يشمل الدنيا والآخرة معا في نسق متوازن جميل:

(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) [3] .

ثم إنه دين شامل يشمل كل جوانب الحياة ..

يشمل العقيدة - وهي حاجة الإنسان الروحية - ويقدم للبشرية عقيدة صافية سمحة سهلة بسيطة، عقيدة التوحيد الخالص الذي لا تشوبه شائبة من التصورات الخاطئة أو الخرافة. عقيدة مفتوحة للعقل والوجدان معا ليس فيها"آمن ولا تناقش"كما قالت الكنيسة لأتباعها إنما فيها: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) [4] وفيه: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) [5] وفيها للمخالفين المعاندين: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [6] .

ويشمل شعائر العبادة وهي الترجمة الفعلية لهذه العقيدة في صورة صلاة وصيام وزكاة وحج، مقصود بها صلاح أمر الدنيا والآخرة في آن واحد.

ويشمل الشريعة التي تنظم حياة الناس في الأرض: (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [7] ، وهي شريعة شاملة لكل مجالات النشاط البشري: السياسية والاجتماعية والاقتصادية وعلاقات المسلمين بعضهم ببعض، وعلاقاتهم مع أهل الكتاب المساكنين لهم في أرضهم، وعلاقاتهم مع غيرهم في السلم والحرب والصلح والمهادنة والعهد ... وهي شريعة ثابتة بلفظها ونصها وتفصيلها فيما أمر الله أن يثبّت في حياة الناس، قابلة للنمو والتجدد فيما أذن الله فيه بالنمو والتجدد، محكوما بثوابت الشريعة، بحيث لا يحل حراما ولا يحرّم حلالا ولا يصادم مقاصد الشريعة، ومن ثم فالحياة في ظلها دائمة التجدد ولكن في حدود الضوابط الشرعية التي تمنع الفساد في الأرض [8] .

ويشمل الأخلاق التي تنشئ"الإنسان الصالح"الذي يعبد الله على بصيرة، ويمشي في مناكب الأرض ليعمرها بجهده، ويبتغي فيها من رزق الله الحلال، ويذكر ربه وآخرته في جميع أحواله (قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ) [9] .

ويشمل التوجيهات اللازمة لإقامة حياة راشدة في الأرض، هي التي أنشأت في قرون الإسلام المزدهرة حركة حضارية وحركة علمية فريدة في التاريخ.

تلك آيات الله في دينه المنزل ..

(وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ) [10] .

إنما حدث الخلل في حياة الناس من عدم اتباعهم لهذا الدين كما أنزله الله.

(1) سورة الجمعة [10] .

(2) أخرجه الشيخان.

(3) سورة القصص [77] .

(4) سورة النساء [82] .

(5) سورة سبأ [46] .

(6) سورة النمل [64] .

(7) سورة الحديد [25] .

(8) ليس هنا مجال التفصيل في هذا الموضوع، إنما يُطلب في كتب الفقه والأصول.

(9) سورة آل عمران [191] .

(10) سورة غافر [81] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت