وهذا يعني أن الذنب في واقع الدعوة يترتب عليه عدم حدوث غاية الدعوة وعدم تحقيق أهدافها، وبذلك يتحقق في واقع الدعوة عندما يكون قاتئما على الالتزام التام شرط الخير المطلق، وهذا وجه اختصاص الدعوة من حيث مفهوم الثواب والعقاب.
أما الأدلة المباشرة على هذا الاختصاص فهي كثيرة. نذكر منها:
أن سليمان عندما قال: (لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تنجب كل واحدة غلاما يجاهد في سبيل الله) ، ولم يستثني - أي لم يقل: ان شاء الله - كانت نتيجة عدم قوله ان شاء الله لم ينجب إلا نصف غلاما، ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولو كان سليمان استثني لولدت كل واحدة منهن غلاما فارسا يقاتل في سبيل الله [1] .
ومن المستحيل أن يكون الأمر متعلقا بعدم قدرة تسعين أمرأة على الأنجاب فلزم أن يكون الأمر متعلقا بقدرة سليمان، فأنجب نصف غلام حتى لا يعود تفسير الموقف إلى عدم قدرة سليمان الطبيعية في الإنجاب، فيقت العلة الصحيحة وهي إظهار إرادة الله سبحانه عدم انجاب سليمان لأنه لم يقل: ان شاء الله.
وكذلك عندما سأل اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: سأخبركم غدا، ولم يقل: أن شاء الله. فأن الوحي لم ينزل عليه، وعندما نزل بالجواب نزل معه التصحيح بقوله تعالى)، ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ).
ومن هنا ارتبط واقع الدعوة من حيث حدوث أصلا بالصواب الشرعي وهذا الذي يحقق ارتباط واقع الدعوة، من حيث وجود وبقائه، بمفهوم الالتزام الشرعي.
ولأجل أن الالتزام الشرعي شرط في نشأة واقع الدعوة واستمرارها كان الخروج عن هذا الالتزام، بعد نشأة الدعوة وقيام واقعها، يعني هدم وانهيار هذا الواقع، وهذا يعني بصفة محددة ارتباط مفهوم الفتنة بالخروج عن هذا الالتزام، والحقيقة أن اعتبار الخروج عن الالتزام هو السبب الأصلي للفتنة، مسألة واضحة وخطيرة والدليل على ذلك قول الله عز وجل: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .
وفي قوله سبحانه وتعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) . أي اتقوا ذنبا كإقرار المنكر بين أظهركم، والمداهنة في الأمر بالمعروف، وافتراق الكلمة، وظهور البدع، والتكاسل في الجهاد.
قال القرطبي: وفي هذا تنبيه بالغ على التحذير من الفتن. حدثنا مسلم بن أبي بكرة، عن أبيه؛"ان نبي الله صلى الله عليه وسلم مر برجل ساجد، وهو ينطلق إلى الصلاة فقضي للصلاة، ورجع إليه وهو ساجد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من يقتل هذا؟ فقام رجل فحسر يديه فاخترط سيفه وهزه ثم قال: يا نبي الله بأبي أنت وأمي كيف أقتل رجلا ساجدا يشهد ان لا اله الا الله وان محمد رسول الله؟ ثم قال: من يقتل هذا الرجل؟ فقام رجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو قتلتموه لكان أول الفتنة وأخرها".
وهذا الحديث أثبت حقيقة أن الطاعة المطلقة لله والرسول هي المانع الأصلي للفتن، ذلك أنه لو أطاع المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم في قتل رجل الساجد لا متنعت الغتن في هذه الأمة كما نص الحديث، ولكن التدخل العقلي الخاطئ في تلقي الأمر وتنفيذه هو الذي أبقى الفتنة.
(1) أخرجه البخاري في الانبياء (458/ 6) ، ومسلم في الإيمان رقم (1654) ، واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.