لو تعطلت تلك الأسباب لتعطلت هذه الحكم والمصالح والايات، وحكمته وكمالة المقدس يأبي ذلك. وحصول الشئ بدون لازمة ممتنع، وكم بين ما وقع من المفاسد الجزئية في هذه القصة وبين جعل صاحبها إماما للحنفاء إلى يوم القيامة، وهل تلك المفاسد الجزئية إلا دون مفسدة الحر والبرد والمطر والثلج بالنسبة إلى مصالحها بكثير، ولكن الأنسان كما قال الله تعالى ظلوم جهول ظلوم لنفسه، جهول بربه وعظمته وجلاله وحكمته واتقان صنعه.
وكم بين إخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة على تلك الحال، ودخوله إليها ذلك الدخول الذي لم يفرح بمثله بشر حبورا لله وقد اكتنفه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، والمهاجرون والأنصار قد أحدقوا به، والملائكة من فوقهم، والوحي من الله ينزل عليه وقد أدخله حرمة ذلك الدخول، فأين مفسدة ذلك الإخراج الذي كان كأن لم يكن؟
ولولا معارضة السحرة لموسي بإلقاء العصي والحبان حتى أحدوا أعين الناس واسترهبوهم لما ظهرت اية عصا موسى حتى إبتلعت عصيهم وحبالهم.
الثاني: اختصاص واقع الدعوة بالصفة البشرية:
واختصاص واقع الدعوة بحقيقة الخير الراجح أنشأ اختصاصا اخر في واقع التزام الدعاة بشرع الله.
الاختصاص من حيث الالتزام الشرعي:
فالدين هو الخير المطلق، والدعوة هي أنشاء واقع الدين، والعلاقة بين الدعوة وواقع الدين هي علاقة السبب بالنتيجة، والسبب في التصور القدري يجب أن يكون من طبيعة النتيجة، لذا لابد ان يكون واقع الدعوة هو واقع الخير الخالص وذلك لتصلح: قدرا بأن تكون سببا وأداة لقيام واقع الدين.
وقد أجرى الله سبحانه حكمته بأن كمال الغايات تابعة لقوة أسبابها، وكمالها ونقصانها لنقصانها شفاء العليل وتفسير هذه العبارة كان الارتباط بين كمال الطاعة وكمال الصحة في إنشاء واقع الدعوة إذ أنه بتحقيق الالتزام الشرعي يتحقق كمال المحية لما أمر الله به وكمال البغض لما نهي الله عنه وقد قال سبحانه في صفة من يحبهم ويحبونه: (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) .
وبتحقيق كمال الالتزام الشرعي بتحقق كمال المحبة الامر وكمال بغض النهي يكون حق التقوي، وفيه يقول على ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله سبحانه وتعالى: (أتقوا الله حق تقاته) ، قال لم تنسخ ولكن حق تقاته أن يجاهدوا في الله حق جهاده ولاتأخذهم في الله لومة لائم ويقومون بالقسط ولو على أنفسهم وأبائهم وأبنائهم [1] .
ولذلك يقول أبو الأعلي المودودي: ان الامتداد بواقع الدعوة يعني قدرا نموا كونيا ويرتبط بسننه وأسبابه ومن هنا فلابد من جمع أسباب تلائم طبيعة الوضعية المنشودة للدولة وفطرتها الخاصة وانتهاج طريق العمل إليها، فلا جرم أن تقوم حركة تلائمها في طبيعتها، ولذلك بعد أن يقول: ولما لايمكن أن تغرس شجرة الكمثري ثم تظهر منها بعد نموها واكتمالها ثمرات شجرة التفاح أو الرمان.
ولكن تكون الدعوة واقعا للخير الخالص كان لابد ان تقوم على أساس الألتزام الشرعي التام، ذلك لأن الخير هو الطاعة، وان الشر هو الذنوب وموجباتها ولما كان الخروج عن الالتزام الشرعي في واقع الدعوة امرا محتملا وكان الالتزام الشرعي التام شرطا واجبا لذا كان عقاب الخروج على هذا الالتزام في واقع الدعوة له مفهوم خاص وهو أن صيغة العقاب على هذا الالتزام في واقع الدعوة ليسا هي فقط السيئات ولكن مع هذه السيئات يكون الإخفاق في إنشاء واقع الدعوة الصحيح أو تأخيره حتى إذا قام وأنشئ كان ذلك بشرطه وهو ان يكون واقعا للخير الخالص.
(1) ابن كثير ص 72