الصفحة 8 من 164

وبعد إثبات تعلق الوجود خلقا وأمرا بالأسماء الحسنى والصفات العليا، نواصل إثبات ذلك من خلال تحديد مفهوم الاظهار وقيمة (الواقع) في تحديد هذا المفهوم ...

وقيمة الواقع في مفهوم الاظهار تقوم على أساس الشهادة في قول الله عز وجل: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) .

إذ يقول ابن القيم: وتضمنت هذه الدلالة على وحدانيه المنافيه للشرك، وعدله المنافى للظلم، وعزته المنافيه للعجز وحكمته المنافيه للجهل والحكمه، ولهذا كانت أعظم شهادة وهو سبحانه قد بينها غاية البيان بطرق ثلاثه: السمع والبصروالعقل.

أما السمع فبسمع آياته القولية المتضمنة لإثبات صفات كماله ونعوت جلاله وعلوه على عرشه فوق سبع سموات، (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) ، وقوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) ، وقوله: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) ، وقوله: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) ، وقوله: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) ، وقوله: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ) ، وقوله: (دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) ، وقوله: (سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا) ، وقوله: (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ) ، فسنته سبحانه عادته المعلومة في أوليائه واعدائه بإكرام هؤلاء وإعزازهم ونصرتهم وإهانة أولئك وإذلالهم وكبتهم قال تعالى ($) .

أما آياته العيانية الخلقية والنظر فيها والاستدلال بها، فإنها تدل على ما تدل عليه آياته القولية والسمعية، وأيات الرب هي دلائله وبراهينه التي بها يعرفه العباد، وبها يعرفون أسماءه وصفاته، وتوحيده وأمره ونهيه، فالرسل تخبر عنه بكلامه الذي تكلم به وهو آياته القولية، ويستدلون على ذلك بمفعولاته التي تشهد على صحة ذلك، وهي آياته العيانية ...

والعقل يجمع بين هذه وهذه فتتفق شهادة السمع والبصر والعقل والفطرة.

ويقول: وشهادة الله تضمنت أربعة مراتب: علم الله سبحانه بذلك، وتكلمه، وإعلامه وإخباره لخلقه له، وإلزامهم به ...

ومرتبة الإعلام نوعان: إعلام بالقول، وإعلام بالفعل. والمقصود أن الله سبحانه يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالة عليه، فإن دلالتها إنما هي بخلقه وجعله، فتتطابق شهادة القول وشهادة الفعل، كما قال تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق) ، أي أن القرآن حق، فأخبر أنه يدل بآياته الآفاقية والنفسية على صدق آياته القولية والكلامية ...

ويواصل ابن القيم تحديد قيمة الواقع في إظهار آثار أسماء الله وصفاته فيقول: وخلق الأسباب المتقابلة التي يقر بعضها بعضا، ويكسر بعضها بعضا، هو من شأن كمال الربوبية والقدرة النافذة والحكمة التامة والملك الكامل، وأن كمال شأن الربوبية كامل في نفسه ولو لم تخلق هذه الأسباب، لكن خلقها من لوازم كماله وملكه وقدرته وحكمته وظهور تأثيرها وأحكامها في عالم الشهادة تحقيق لذلك الكمال وموجب من موجباته، فتعتبر مراتب الغيب والشهادة بأحكام الصفات من آثار الكمال الإلهي المطلق بجميع وجوهه وأقسامه وغاياته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت