الصفحة 46 من 80

وهي ليست ضحكًا على الناس ولا استدراجًا لهم! حاش لله!

إنها كلها حقيقة. فالخير نبع واحد داخل النفس. وكل صوره صورة واحدة.

ولقد نظن، لأول وهلة، أن بعض هذه"الصدقات"أهون من أن تكون صدقة. وأنها لا يجوز أن تدرج مع غيرها في سلك يشمل الجميع.

وقد يكون أقرب شيء إلى هذا الظن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: وتبسمك في وجه أخيك صدقة. وإفراغك من دلوك في دلو أخيك صدقة.

ومع ذلك فجربها إذا أردت. أو تتبعها في محيط الناس ..

إن تبسمك في وجه أخيك، الذي يبدو لك هينًا حتى ما يصح أن يوضع في الصدقات .. لهو أشق شيء على النفس التي لم تتعود الخير ولم تتجه إليه!

هناك أناس لا يتبسمون أبدًا، ولا تنفرج أساريرهم وهم يلقون غيرهم من الناس!

إنهم شريرون أو في نفوسهم مرض. وينابيع الخير مغلقة في نفوسهم وعليها الأقفال.

وهناك ناس يبخلون عليك بقطرة من ماء! الماء الحقيقي لا على سبيل المجاز!

إن المسألة ليست البسمة ولا نقطة الماء. إنها الإعطاء. إنها الحركة التي تتم في داخل النفس. إنها فتح القفل المغلق. أو تحرك اليد النفسية وانبساطها إلى الأمام ..

عملية واحدة في جميع الحالات .. إما أن توجد، فتقدر النفس على الخير. تقدر على الإعطاء والمودة. وإما ألا توجد، فيستوي الهين والعظيم، وتغلق النفس عن جميع الصدقات.

والرسول المربي لا يريد أن يعرفنا بمنابع الخير فحسب، ولا أن يعودنا على الخير فحسب. ولكني ألمح من وراء تعديد الصدقات، وتبسيطها حتى تصبح في متناول الجميع، معنى آخر ..

الإعطاء حركة إيجابية. ولذلك قيمة كبرى في تربية النفوس.

فالنفس التي تتعود الشعور بالإيجابية نفس حية متحركة فاعلة. بعكس النفس التي تتعود السلبية فهي نفس منكمشة منحسرة ضئيلة.

والرسول صلى الله عليه وسلم يريد للمسلم أن يكون قوة إيجابية فاعلة، ويكره له أن يكون قوة سلبية حسيرة.

والشعور والسلوك صنوان في عالم النفس، كلاهما يكمل الآخر ويزيد في قوته.

ومن هنا حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يصف حتى الأعمال الصغيرة والهينة بأنها صدقة. بأنها إعطاء.

مرة أخرى كالأب مع أبنائه ..

فأنت حين توحي لطفلك أن الدور الذي قام به في العمل دور هام ومثمر، وقد أدى إلى نتيجة، فإنك تشجعه على مزيد من العمل ومزيد من الإنتاج. أما إذا رحت تصغر من شأنه، وتشعره أن أعماله تافهة بالقياس إلى المطلوب منه، فإنك تشجعه على الانحسار داخل نفسه، والانصراف عن كل عمل يحتاج إلى مجهود.

والرسول يشجع الناس على الإحساس بإيجابيتهم، حتى في الأعمال التي قد تبدو صغيرة في ظاهرها، ليحسوا أن كيانهم يتحقق في عالم الواقع، في عالم السلوك. فيزيدهم ذلك إقبالًا على العمل في ميدان الخير، ويشجعهم على الصعود باستمرار.

وفي تسمية هذه الأعمال"بالصدقات"أمر آخر من وراء التعبير.

فالصدقات بمعناها الحسي الضيق، تقسم الناس آخذين في جانب ومعطين في جانب. وقد توحي إلى الآخذين الشعور بالضآلة والضعف، وتغري المعطين بالخيلاء والغرور.

وذلك تقسيم للمجتمع سيئ غاية السوء.

ولكن توسيع نطاق الصدقات حتى تشمل كل شيء وكل عمل متجه إلى الخير، يلغي التقسيم الأول، ويتيح لكل إنسان - بصرف النظر عن فقره وغناه - أن يكون معطيًا واهبًا للآخرين. ومن ثم يجعل الناس كلهم - بحركة واحدة - آخذين ومعطين على قدم المساواة، وشركاء في ميدان واسع فسيح!

وذلك ولا شك منهج بارع في تربية النفوس، فوق أنه يقرر مفهومًا آخر من مفاهيم الإسلام الأصيلة: أن القيم التي تحكم الحياة ليست هي القيم المادية وحدها. أو الاقتصادية وحدها. وإنما القيم الشعورية والوجدانية كذلك. بل هذه الأخيرة هي الأصل الذي تقوم عليه علاقات البشرية!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت