الصفحة 15 من 80

لم يكن واحد يؤلف ليكسب! يكسب الشهرة أو يكسب النقود! وإنما يؤلف لأنه بحث وجد واستنبط، فوصل إلى"شيء"فأذاعه على الناس.

و"الانقطاع"للعلم كان وحده دليلًا على هذا الصدق الذي لا تفسده الأغراض.

ولم يكن الصدق والإخلاص هما السمة الوحيدة في"علم"المسلمين. فذلك لا يستنفد كل معاني"الفريضة"!

وإنما كانت هناك مزيتان أخريان، تركتا طابعًا أصيلًا في الحياة الإسلامية ما يقرب من ألف عام.

المزية الأولى أن العلم - وهو"فريضة"- كان يقرب القلوب إلى الله .. ولا يبعدها عن هداه.

نعم .. لم تحدث في الإسلام تلك الفرقة البغيضة بين العلم والدين!

وكيف تحدث والعلم فريضة يتقرب بها الإنسان إلى الله؟ كيف يتقرب إليه بالبعد عنه والنفور منه؟!

كلا! إن العلم نور الله. موهبته المعجزة التي وهبها للإنسان. وهي أولى بالشكر لا بالكفران!

وكذلك أحس المسلمون. أحسوا أن في رقابهم، دينًا لله يؤدونه. فهو قد وهب لهم"الحكمة"و"المعرفة". وهب لهم العقل الذي يفكر ويكتشف ويستنبط. وهب لهم القدرة على الاستفادة من التجربة. وهب لهم ذلك الشعاع العلوي الذي لم يكن ليوجد لولا أن الله نفخ في الإنسان من روحه .. فعليهم لقاء ذلك دين. هو الشكر. الشكر لله المنعم الوهاب.

ومن ثم كان العلم يزيدهم إيمانًا. ويزيدهم تعلقًا بالله:

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [9] .

تلك روح المؤمن الذي"يتعلم". الذي يتفكر في خلق السماوات والأرض. ويصل من تفكره ذلك إلى قوانين ونظريات وحقائق وتطبيقات، تزيد"معلوماته"وتفيده في تعميره الأرض وهو يمشي في مناكبها ويأكل من رزق الله [10] فيدعوه ذلك كله إلى معرفة الله. ومعرفة"القصد"في خلق السماوات والأرض. القصد"الحق": (مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا) فيسبح الله. ويتقرب إليه. ويتوقى النار ويطلب تحقيق وعد الله بالنعيم: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [11] .

ولم يحدث في التاريخ الإسلامي أن عالمًا يبحث في الطب أو يبحث في الفلك أو يبحث في الطبيعة أو يبحث في الكيمياء .. وجد نفسه معزولًا عن العقيدة، أو وجد أن العقيدة تعطله عن البحث العلمي الدقيق! ولم تقم الحرب والخصومة في قلب مسلم بين العلم والعقيدة أو بين العلم والدين. وإنما عاش العلم في ظلال العقيدة يتقدم وينشط، ويصل إلى كشوف علمية هائلة، أقر بها المتعنتون أنفسهم من علماء أوروبا، دون أن يفترق الطريق لحظة أو يحدث الشقاق.

ذلك أن العلم كان"فريضة"إلى الله، تؤدى كما تؤدى الصلاة والصيام والزكاة!

والمزية الثانية في علوم المسلمين - الناشئة كذلك من كون العلم فريضة - أنها لم تستخدم قط في الشر أو الإيذاء!

وكيف يستخدم العلم في الشر وهو فريضة وعبادة؟

"تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة" [12] .

فأين ينبغ الشر في هذا الطريق الذي تحفه خشية الله، وعبادته، وتسبيحه، والتقرب إليه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت