الصفحة 21 من 276

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) (سورة البقرة:165) .

كما جمعت آيات القرآن بين المنفعة و الجمال في سورة النحل

(وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ 5 وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) (سورة النحل:(6،5) .

وباعتبار أن طبيعة الحقيقة هي نور الله، فإن ما يخالف هذه الحقيقة لاينفسح له الصدر فيدخل إلى الصدر بالاحتكاك الذي قال فيه النبي - [وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ] [1]

وبمقدار قوة الإيمان يكون النور حتى يملأ القلب ثم يفيضه على الوجه حتى يحقق الوضاءة في الوجه.

ومن أهم الحقائق النفسية في تفسير الايمان هو أن الايمان بالله هو الذي يفتح القلب لقضايا الايمان التي تليه، مثل الايمان باليوم الأخر أو مثل الايمان بالوحي، وأن الايمان بالوحي المنزل من السماء يفتح القلب لما يليه من حقائق، وكانت هذه الحقيقة هي أساس تسليم أبي بكر الصديق بحادثة الاسراء كما وردثم مضي فأصبح فأخبر عما كان فلما سمع المشركون له أتوا أبا بكر فقالوا يا أبا بكر هل لك في صاحبك؟ يخبر أنه أتي في ليله هذه مسيره شهر ورجع في ليلته فقال أبو بكر رضي الله عنه ان كان قاله فقد صدق وانا لنصدقه فيما هو أبعد من هذا لنصدقه علي خبر السماء. [2]

وقد اتفقنا أن الإيمان يبدأ بمرحلة ما قبل الإيمان، وقبل الإيمان يكون مرحلة تقريب القضية التي هي موضوع الإيمان من الإنسان لينتبه إليها، وفي هذه المرحلة يكون

"تأليف القلوب"وهي عوامل تقرب القضية من الإنسان حتى يصير محببًا إليه التفكير العقلي فيها.

ولذلك يقول ابن تيمية في تفسير قول الله عز وجل: (فلله الحجة البالغة) : وهي التي بلغت إلي صميم القلب وخالطت العقل، فلا يمكن للعقل دفعها ولا جحودها

وعوامل تأليف القلوب ترجع في طبيعتها إلى طبيعة الإنسان الذي نريد دعوته إلى الإيمان.

وغالبًا ما يكون المال هو المادة الأساسية لتأليف القلوب .. ولذلك قال الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال:63) . ولذلك خص الله سبحانه المؤلفة قلوبهم في مصارف الزكاة: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة:60) .

وباعتبار أثر القلب على الجوارح فإن عمل الجوارح يصبح الدليل الأول على الإيمان، فهو ما وقر في القلب وصدقه العمل. وكما كان الإيمان ناشئًا عن القلب بصورة مباشرة فإن العمل ينشأ بصورة تابعة فيحدث العمل تصديقًا لما في القلب، ولذلك يقول ابن تيميه: لو أنك قلت لرجل أن البيت الذي أنت فيه يحترق فصدقك دون أن يفر هاربًا فهو كاذب إذ لو كان صادقًا لفر هاربًا قبل أن تتم قولك خوفًا على نفسه بعد تصديقه لك.

(1) [صحيح] أخرجه مسلم في (البر والصلة والآداب / بـ تفسير البر والإثم / ح 2553) من حديث النواس بن سمعان.

(2) [صحيح] أخرجه الحاكم في (المستدرك / 3/ 62 - 63) وصححه، ووافقه الذهبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت