أقرأ في الإثبات (الرحمن على العرش استوى) [1] ، (إليه يصعد الكلم الطيب) [2] ، وأقرأ في النفي (ليس كمثله شيء) [3] ، (ولا يحيطون به علما) [4] ، ثم قال: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.
وكذلك الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، فإنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم حيث قال:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم [5]
وكذلك قال أبو المعالي الجويني رحمه الله: يا أصحابنا لا تشتغلوا بعلم الكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به، وقال عند موته: لقد خضت البحر الخِضَم وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا أموت على عقيدة أمي، أو قال على عقيدة عجائز نيسابور.
(1) سورة طه، الآية: 5.
(2) سورة فاطر، الآية: 10.
(3) سورة الشورى، الآية: 11.
(4) سورة طه، الآية: 110.
(5) ذكر الشوكاني رحمه الله تجربته الشخصية في دراسة علم الكلام وأنه ما خرج منها بغير الحيرة وضياع العمر فقال: وها أنا أخبرك عن نفسي وأوضح لك ما وقعت فيه في أمسي فإني في أيام الطلب وعنوان الشباب شغلت بهذا العلم الذي سموه تارة علم الكلام وتارة علم التوحيد وتارة علم أصول الدين وأكببت على مؤلفات الطوائف المختلفة منهم ورمت الرجوع بفائدة والعود بعائدة فلم أظفر من ذلك بغير الخيبة والحيرة وكان ذلك من الأسباب التي حببت إلي مذهب السلف على أني كنت قبل ذلك عليه ولكن أردت أن أزداد منه بصيرة وبه شغفا وقلت عند ذلك في تلك المذاهب:
وغاية ما حصلته من مباحثي ... ومن نظري من بعد طول التدبر
هو الوقف ما بين الطريقين حيرة ... فما علم من لم يلق غير التحير
على أنني قد خضت منه غماره ... وما قنعت نفسي بغير التبحر
(راجع التحف في مذاهب السلف ج1/ 74ـ75)