فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 29

وأيضًا فإن الله تعالى ابتلى الناس بهذه الفتنة، ليجزى الصادقين بصدقهم، وهم الثابتون الصابرون، لينصروا الله ورسوله، ويعذب المنافقين أن شاء أو يتوب عليهم.

ونحن نرجو من الله أن يتوب على خلق كثير من هؤلاء المذمومين، فإن منهم من ندم والله سبحانه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات وقد"فتح الله للتوبة بابًا من قبل المغرب عرضه أربعون سنة لا يغلقه حتى تطلع الشمس من قبله".

وقد ذكر أهل المغازى - منهم ابن اسحق - أن النبى صلى الله عليه وسلم قال في الخندق"الآن نغزوهم ولا يغزونا"فما غزت قريش ولا غطفان، ولا اليهود المسلمين بعدها، بل غزاهم المسلمون ففتحوا خيبر ثم فتحوا مكة.

كذلك، إن شاء الله هؤلاء الأحزاب من المغل وأصناف الترك، ومن الفرس، والمستعربة، والنصارى، ونحوهم من أصناف الخارجين عن شريعة الإسلام: الآن نغزوهم ولا يغزونا، ويتوب الله على من شاء من المسلمين، الذين خالط قلوبهم مرض أو نفاق، بأن ينيبوا إلي ربهم ويحسن ظنهم في الإسلام، وتقوى عزيمتهم على جهاد عدوهم.

فقد آراهم الله من الآيات ما فيه عبرة لأولى الأبصار، كما قال تعالى: (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا) .

فإن الله صرف الأحزاب عام الخندق بما أرسل عليهم من ريح الصبا .. ريح شديدة باردة. وبما فرق بين قلوبهم، حتى شتت شملهم، ولم ينالوا خيرًا .. إذ كان همهم فتح المدينة والاستيلاء على الرسول والصحابة، كما كان هم هذا العدو فتح الشام والاستيلاء على من بها من المؤمنين، فردهم الله بغيظهم، حيث اصابهم من الثلج العظيم، و البرد الشديد، والريح العاصف، والجوع المزعج، ما الله به عليم.

وقد كان بعض الناس يكره تلك الثلوج والأمطار العظيمة التى وقعت في هذا العام، حتى طلبوا الاستصحاء غير مرة، وكنا نقول لهم: هذا فيه خيرة عظيمة، وفيه لله حكمة وسر فلا تكرهوه، فكان من حكمته: أنه فيما قيل: أصاب قازان وجنوده، حتى أهلكهم، وهو كان فيما قيل: سبب رحيلهم، وأبتلى به المسلمون ليتبين من يصبر على أمر الله وحكمه ممن يفر عن طاعته وجهاد عدوه.

وكان مبدأ رحيل قازان فيمن معه من أرض الشام وأراضى حلب: يوم الإثنين، حادى عشر جمادى الأولى، يوم دخلت مصر عقيب السكر، واجتمعت بالسلطان وأمراء المسلمين، وألقى الله في قلوبهم من الاهتمام بالجهاد ماألقاه، فلما ثبت الله قلوب المسلمين صرف العدو، جزاء منه، وبيانًا أن النية الخالصة والهمة الصادقة ينصر الله بها، وان لم يقع الفعل، وإن تباعدت الديار.

وذكر أن الله فرق بين قلوب هؤلاء المغل والكرج وألقى بينهم تباغضًا وتعاديًا، كماألقى سبحانه عام الأحزاب بين قريش وغطفان، وبين اليهود كما ذكر ذلك أهل المغازى. فإنه لم يتسع هذا المكان لأن نصف فيه قصة الخندق، بل من طالعها علم صحة ذلك، كما ذكره أهل المغازى، مثل عروة بن الزبير، والزهرى، وموسى بن عقبة، وسعيد بن يحيى الأموي، ومحمد بن عائذ، ومحمد بن اسحق، والواقدى، وغيرهم.

ثم تبقى بالشام منهم بقايا، سار إليهم من عسكر دمشق أكثرهم، مضافا الىعسكر حماة وحلب وما هنالك وثبت المسلمون بإزائهم، وكانوا أكثر من المسلمين بكثير، لكن في ضعف شديد تقربوا إلي حماة وأذلهم الله تعالى، فلم يقدموا على المسلمين قط. وصار من المسلمين من يريد الاقدام عليهم فلم يوافقه غيره، فجرت مناوشات صغار، كما قد كان يجرى في غزوة الخندق حيث قتل على بن أبى طالب رضى الله عنه فيها عمرو بن عبد ود العامرى لما اقتحم الخندق، هو ونفر قليل من المشركين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت