العالية، وبها يكفر الله الخطايا لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا، وإلا فقد يبتلى بذلك من ليس كذلك، فيكون في حقه عذابًا كالكفار والمنافقين.
ثم قال تعالى: (ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله. وما زادهم إلا أيمانًا وتسليما) .
قال العلماء: كان الله قد أنزل في سورة البقرة (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه، متى نصر الله ألا أن نصر الله قريب) فبين الله سبحانه - منكرًا على من حسب خلاف ذلك - انهم لا يدخلون الجنة إلا بعد أن يبتلوا مثل هذه الأمم قبلهم"بالبأساء"، وهى الحاجة والفاقه، و"الضراء"، وهى الوجع والمرض و"الزلزال"وهى زلزلة العدو.
فلما جاء الأحزاب عام الخندق فرأوهم .. قالوا: (هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله) ، وعلموا أن الله قد ابتلاهم بالزلزال وأتاهم مثل الذين خلوا من قبلهم، وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا لحكم الله وأمره.
وهذه حال أقوام في هذه الغزوة، قالوا ذلك.
وكذلك قوله: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه) أى عهده الذى عاهد الله عليه، فقاتل حتى قتل، أو عاش.
"والنحب"النذر والعهد. وأصله من النحيب. وهو الصوت. ومنه الانتحاب في البكاء، وهو الصوت الذى تكلم به في العهد.
ثم لما كان عهدهم هو نذرهم الصدق في اللقاء - ومن صدق في اللقاء فقد يقتل - صار يفهم من قوله (قضى نحبه) أنه استشهد لا سيما اذا كان النحب: نذر الصدق في جميع المواطن. فإنه لا يقضيه إلا بالموت. وقضاء النحب هو الوفاء بالعهد. كما قال: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه) أى أكمل الوفاء. وذلك لمن كان عهده مطلقًا: بالموت أو القتل (ومنهم من ينتظر) قضاءه، اذا كان قد وفى البعض، فهو ينتظر تمام العهد.
وأصل القضاء: الإتمام والإكمال.
(ليجزى الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورًا رحيمًا) .
بين الله سبحانه أنه أتى بالأحزاب ليجزى الصادقين بصدقهم، حيث صدقوا في إيمانهم. كما قال تعالى: (إنما المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) .
فحصر الإيمان في المؤمنين المجاهدين، وأخبر أنهم هم الصادقون في قولهم: آمنا. لا من قال، كما قالت الأعراب"آمنا"والإيمان لم يدخل في قلوبهم، بل انقادوا واستسلموا.
وأما المنافقون فهم بين أمرين: إما أن يعذبهم، وإما أن يتوب عليهم.
فهذا حال الناس في الخندق وفى هذه الغزوة.