الصفحة 295 من 306

ويجب على الدعاة أن يقفوا أمام القاعدة الإيمانية الكبيرة ويدعو الناس إليها -قاعدة أن إقامة دين الله في الأرض معناها الصلاح والكسب والفلاح في حياة المؤمنين في هذه الدنيا وفي الآخرة على السواء. لا افتراق بين دين ودنيا، ولا افتراق بين دنيا وآخرة. فهو منهج واحد للدنيا والآخرة للدنيا وللدين .. تجيء هذه القاعدة الإيمانية الكبيرة من هذا القرآن الكريم الذي يقررها ربنا عز وجل:

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ) .

إن هاتين الآيتين تقرران أصلا كبيرا من أصول التصور الإسلامي، ومن ثم فهما تمثلان حقيقة ضخمة في الحياة الإنسانية ولعل الحاجة إلى جلاء ذلك الأصل، وإلى بيان هذه الحقيقة لم تكن ماسة كما هي اليوم، والعقل البشري والموازين البشرية، والأوضاع البشرية تتأرجح وتضطرب وتتوه بين ضباب التصورات وضلال المناهج، بإزاء هذه الأمر الخطير .. إن الله سبحانه يقول لأهل الكتاب -ويصدق القول وينطبق على كل أهل كتاب- إنهم لو كانوا آمنوا واتقوا لكفّر عنهم سيئاتهم ولأدخلهم جنات النعيم -وهذا جزاء الآخرة. وأنهم لو كانوا حققوا في حياتهم الدنيا منهج الله الممثل في التوراة والإنجيل وما أنزله الله إليهم من التعاليم -كما أنزلها الله بدون تحريف ولا تبديل- لصلحت حياتهم الدنيا وتمت وفاضت عليهم الأرزاق، ولأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم من فيض الرزق، ووفرة النتاج وحسن التوزيع، وصلاح أمر الحياة .. ولكنهم لا يؤمنون ولا يتقون ولا يقيمون منهج الله- إلا قلة منهم في تاريخهم الطويل مقتصدة غير مسرفة على نفسها (وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ) .

وهكذا يبدو من خلال الآيتين أن الإيمان والتقوى وتحقيق منهج الله في واقع الحياة البشرية في هذه الحياة الدنيا لا يكفل لأصحابه جزاء الآخرة وحده -وإن كان هو المقدم وهو الأدوم- ولكنه كذلك يكفل صلاح أمر الدنيا، ويحقق لأصحابه جزاء العاجلة .. وفرة ونماء وحسن توزيع وكفاية .. يرسمها في صورة حسية تجسم معنى الوفرة والفيض في قوله: (لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم) .. وهكذا يتبين أن ليس هنالك طريق مستقل لحسن الجزاء في الآخرة، وطريق آخر مستقل لصلاح الحياة في الدنيا. إنما هو طريق واحد، تصلح به الدنيا والآخرة. فإذا تنكب هذا الطريق فسدت الدنيا وخسرت الآخرة .. هذا الطريق الواحد هو الإيمان والتقوى وتحقيق المنهج الإلهي في الحياة الدنيا .. وهذا المنهج ليس منهج اعتقاد وإيمان وشعور قلبي وتقوي فحسب، ولكنه كذلك -وتبعا لذلك -منهج حياة إنسانية واقعية، يقام، وتقام عليه الحياة ... وإقامته مع الإيمان والتقوى- هي التي تكفل صلاح الحياة الأرضية، وفيض اللرزق، ووفرة الإنتاج، وحسن التوزيع، حتى يأكل الناس جميعا -في ظل هذا المنهج- من فوقهم ومن تحت أرجلهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت