الصفحة 293 من 306

وهذه الأنظمة والأوضاع، التي تنشأ في الأرض منظورا فيها إلى هذه الرقعة الضيقة من الزمان والمكان، بلا عدل ولا رحمة، ولا قسط ولا ميزان .. إلا أن يصارع الأفراد بعضهم بعضا، وتصارع الطبقات بعضها بعضا، وتصارع الأجناس بعضها بعضا .. وينطلق الكل في الغابة انطلاقا لا يرتفع كثيرا على انطلاق الوجوس والغيلان. كما تشهد اليوم في عالم الحضارة .. في كل مكان .. كان الله سبحانه يعلم هذا كله، ويعلم أن الأمة التي قدر أن يعطيها مهمة الإشراف على الحياة البشرية وقيادتها إلى القمة السامقة التي يريد أن تتجلى فيها كرامة الإنسانية في صورة واقعية .. أن هذه الأمة لا يمكن أن تؤدي واجبها هذا إلا بأن تخرج بتصوراتها وقيمها من ذلك الجحر الضيق إلى تلك الآفاق والآماد الواسعة. من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة .. ولهذا كان ذلك التوكيد على حقيقة الآخرة .. أولا لأنها حقيقة، والله يقص الحق، وثانيًا أن اليقين بها ضرورة لاستكمال إنسانية الإنسان: تصورا واعتقادا، وخلقا وسلوكا، وشريعة ونظاما، نعم. إنها الدار الآخرة. إن وزنها في قلوب الذين يتقون هو وحده الذي يرجح الكفة، وهو وحده الذي يعصم من فتنة العرض الأدنى القريب في هذه الدنيا .. نعم إنها هي التي لا يصلح قلب ولا تصلح حياة إلا بها، ولا تستقيم نفس ولا تستقيم حياة إلا بملاحظتها .. وإلا فما الذي يعدل في النفس البشرية الرغبة الملحة في حيازة كل عرض يلوح لها من أعراض هذه الأرض؟ وما الذي يحجزها عن الطمع ويكفها عن البغي؟ وما الذي يهدئ فيها هياج الرغائب وسعار الشهوات وجنون المطامع؟ وما الذي يطمئنها في صراع الحياة الدنيا على النصيب الذي لا يضيع بفوات الحياة الدنيا؟ وما الذي يثبتها في المعركة بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، وأعراض الأرض تفر من بين يديها وتنأى؟ والشر يتبجح والباطل يطغى؟

لا شيء يثبت على الغير والأحداث وتقلبات الأحوال في هذا الخضم الهائج وفي هذه المعركة الكبرى، إلا اليقين في الآخرة، وأنها خير للذين يتقون، ويعفون، ويترفعون، ويثبتون على الحق والخير في وجه الزعازع والأعاصير والفتن ويمضون في الطريق لا يتلفتون .. مطمئنين واثقين، ملء قلوبهم اليقين .. وهذه الدار لآخرة غيب من الغيب الذي يريد دعاة (الاشتراكية العلمية) أن يلغوه من قلوبنا ومن عقيدتنا ومن حياتنا. ويحلوا محله تصورا كافرا جاهلا مطموما يسمونه (العلمية) .. ومن أجل هذه المحاولة البائسة تفسد المحاولة وتفسد النفوس، وينطلق السعار المجنون الذي لا يكبحه إلا ذلك اليقين، ينطلق سعار الرشوة والفساد والطمع والطغيان. وينتشر داء الإهمال وقلة المبالاة والخيانة في كل مجال ..

إن العلمية التي تناقض الغيبة جهالة من جهالات القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر. جهالة يرجع عنها (العلم البشري) ذاته، ولا يبقى يرددها في القرن العشرين إلا الجهال. جهالة تناقض فطرة الإنسان ومن ثم تفسد الحياة ذلك الإفساد الذي يهدد البشرية بالدمار. ولكنه المخطط الصهيوني الرهيب الذي يريد أن يسلب البشرية كلها قوام حياتها وصلاحها. ليسهل تطويعها لملك صهيون في نهاية المطاف. والذي تردده الببغاوات هنا وهناك، بينما الأوضاع التي أقامتها الصهيونية وكلفتها في أنحاء الأرض عن علم في تنفيذ المخطط الرهيب هنا وهناك ..

ولقد علم الله أن أمة من الأمم لا تملك أن تقود البشرية وتشهد عليها -كما هي وظيفة الأمة المسلمة -إلا أن تكون عقيدة الآخرة وضحة لها راسخة في ضميرها .. فتصور الحياة على أنها هذه الفترة المحدودة بحدود هذه الحياة الدنيا، وحدود هذه الأرض الصغيرة، لا يمكن أن ينشأ أمة هذه صفتها وهذه وظيفتها!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت