الصفحة 292 من 306

وإن قيمة الدنيا بالنسبة لقيمة الآخرة في ميزان الله الصحيح: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) .. هذه هي القيمة المطلقة الأخيرة في ميزان الله للحياة الدنيا وللدار الآخرة. وما يمكن أن يكون وزن ساعة من نهار على هذا الكوكب الصغير، إلا على هذا النحو، حين توازن بذلك الأبد الأبيد في ذلك الملك العريض. وما يمكن أن تكون قيمة نشاط ساعة في هذه العبادة إلا لعبا ولهوا حين تقاس إلى الجد الرزين في ذلك العالم الآخر العظيم .. هذا تقييم مطلق .. ولكنه في التصور الإسلامي -كما قلنا- لا ينشئ اهمالا للحياة الدنيا ولا سلبية فيها ولا انعزالا عنها وليس ما وقع من هذا الإهمال والسلبية والانعزال وبخاصة في بعض حركات (التصوف) و (الزهد) بنابع من التصور الإسلامي أصلا. إنما هو عدوى من التصورات الكنسية والرهبانية، ومن التصورات الفارسية، ومن بعض التصورات الإشراقية الإغريقية المعروفة بعد انتقالها للمجتمع الإسلامي.

والنماذج الكبيرة التي تمثل التصور الإسلامي في أكمل صورة. لم تكن سلبية ولا انعزالية .. فهذا جيل الصحابة كله الذين قهروا الشيطان في نفوسهم، كما قهروه في الأنظمة الجاهلية السائدة من حولهم في الأرض، حيث كانت الحاكمية للعباد في الامبراطوريات .. هذا الجيل الذي كان يدرك قيمة الحياة الدنيا كما هي في ميزان الله، هو الذي عمل للآخرة بتلك الآثار الإيجابية الضخمة في واقع الحياة، وهو الذي زاول الحياة بحيوية ضخمة، وطاقة فائضة، في كل جانب من جوانبها الحيّة الكثيرة .. إنما أفادهم هذا التقييم الرباني للحياة الدنيا وللدار الآخرة. أنهم لم يصبحوا عبيدًا للدنيا. لقد ركبوها ولم تركبهم. وعبّدوها فذللوها لله ولسلطانه ولم تستعبدهم. ولقد قاموا بالخلافة عن الله فيها بكل ما تقتضيه الخلافة من تعمير فسبقوا أهل الدنيا في الدنيا، ثم سبقوهم كذلك في الآخرة.

وإن كل جزئية في النظام الإسلامي منظور فيها إلى حقيقة الحياة الآخرة. وما تنشئه في التصور من سعة وجمال وارتفاع وما تنشئه في الخلق من رفعة وتطهر وسماحة ومن تشدد في الحق وتحرج وتقوى، وما نتشئه في النشاط الإنساني من تسديد وثقة وتصميم. من أجل ذلك كله لا تستقيم الحياة الإسلامية بدون يقين في الآخرة. ومن أجل ذلك كله كان هذا التوكيد في القرآن الكريم على حقيقة الآخرة ..

وكان العرب في جاهليتهم -وبسبب من هذه الجاهلية- لا تتسع آفاقهم التصورية والشعورية والفكرية للاعتقاد في حياة أخرى غير هذه الحياة الدنيا. ولا عالم آخر غير هذا العالم الحاضر، ولا في امتداد الذات الإنسانية إلى آماد وآفاق وأعماق غير هذه الآماد المحسوسة .. مشاعر وتصورات أشبه شيء بمشاعر الحيوان وتصوراته .. شأنهم في هذا شأن الجاهلية الحاضرة .. (العلمية) كما يصر أهلها على تسميتها. (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) .. وكان الله سبحانه يعلم أن الاعتقاد على هذا النحو يستحيل أن تنشأ في ظله حياة إنسانية رفيعة كريمة .. هذه الآفاق الضيقة في الشعور والتصور، التي تلصق الإنسان بالأرض، وتلصق تصوره بالمحسوس منها كالبهيمة .. وهذه الرقعة الضيقة من الزمان والمكان، التي تطلق السعار في النفس، والتكالب على المتاع المحدود، والعبودية لهذا المتاع الصغير، كما تطلق الشهوات من عقالها تعربد وحدها بلا كابح، ولا هدنة ولا أمل في عوض، إن لم تفض هذه الشهوات الهابطة الصغيرة، التي لا تكاد تبلغ نزوات البهيمة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت