والانفاق في سبيل الله هو صنو الجهاد الذي فرضه الله على الأمة المسلمة وهو يكلفها النهوض بأمانة الدعوة إليه وحماية المؤمنين به، ودفع الشر والفساد والطغيان وتجريده من القوة التي يسطو بها على المؤمنين ويفسد بها في الأرض، ويصد بها عن سبيل الله. ويحرم البشرية ذلك الخير العظيم الذي يحمله إليها نظام الإسلام، والذي يعد حرمانها منه جريمة فوق كل جريمة. واعتداء أشد من الاعتداء على الأرواح والأموال. ولقد تكررت الدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله في القرآن كثيرا (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) . فلا بد للدعوة من إنفاق، لا بد منه تطهيرا للقلب من الشح واستعلاء على حب الملك وثقة بما عند الله، وكل هذه ضرورية لاستكمال معنى الإيمان. ثم إنها ضرورية كذلك لحياة الجماعة. فالدعوة كفاح، ولا بد من التكافل في هذا الكفاح وجرائره وآثار. وأحيانا يكون هذا التكافل كاملا بحيث لا يبقى لأحد مال متميز، كما حدث في أول العهد بهجرة المهاجرين من مكة ونزولهم على إخوانهم في المدينة.
والمنهج الإسلامي يأخذ النفس من أقطارها وينظم حياة الجماعة المسلمة جملة لا تفاريق. وأعظم المعارك التي يخوضها الإسلام في ميدان النفس فتغلب أول ما تغلب على الشح، فهي تبذل وتنفق في سبيل الله وهي صفة من صفات القوة في المعركة (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء) هؤلاء ثابتون على البذل، ماضون على النهج لا تغيرهم السراء ولا تغيرهم الضراء، السراء لا تبطرهم فتلهيهم، والضراء لا تضجرهم فتنسيهم. إنما هو الشعور بالواجب في كل حال، والتحرر من الشح والحرص ومراقبة الله وتقواه. وما يدفع النفس الشحيحة بطبعها المحبة للمال بفطرتها .. ما يدفع النفس إلى الإنفاق في كل حال إلا دافع أقوى من شهوة المال وربقة الحرص وثقلة الشح .. دافع التقوى، ذلك الشعور اللطيف العميق الذي تشف به الروح وتخلص وتنطلق من القيود والأغلال .. لتنفق في سبيل الله (وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ) إن هذا هو شأن المؤمن لا سواه، إنه لا ينفق إلا ابتغاء وجه الله، لا ينفق عن هوى ولا عن غرض. لا ينفق وهو يتلفت للناس يرى ماذا يقولون. لا ينفق ليركب الناس بإنفاقه ويتعالى عليهم ويشمخ. لا ينفق ليرضى عنه ذو سلطان أو ليكافئه بنيشان .. لا ينفق إلا ابتغاء وجه الله. خالصا متجردا لله ومن ثم يطمئن لقبول الله، ولبركة الله على ماله، ويطمئن لثواب الله وعطائه. ويرتفع ويتطهر ويزكوا بما أعطى وهو بعد في هذه الأرض وعطاء الآخرة بعد ذلك كله فضل.