الصفحة 236 من 306

وذلك كله في صورة من يدفع التهمة الجارحة عن الإسلام. وهؤلاء وهؤلاء كلاهما من المستشرقين الذين يعملون في حقل واحد في حرب الإسلام وتحريف منهجه، وقتل إيحاءاته الموحية في حس المسلمين، كي يأمنوا انبعاث هذه الروح الذي لم يقفوا له مرة في ميدان. والذين آمنوا واطمأنوا منذ أن خدروه وكبلوه بشتى الوسائل، وكالوا له الضربات الوحشية الساحقة في كل مكان. وألقوا في خلد المسلمين أن الحرب بين الاستعمار وبين وطنهم ليست حرب عقيدة أبدا تقتضي الجهاد. إنما هي فقط حرب أسواق وخدمات ومراكز وقواعد. ومن ثم فلا داعي للجهاد.

لقد اقتضى الإسلام السيف وناضل وجاهد في تاريخه الطويل لا ليكره أحدا على الإسلا، ولكن ليكفل عدة أهداف كلها تقتضي الجهاد. جاهد الإسلام أولا: ليدفع عن المؤمنين الأذى والفتنة التي كانوا يسامونها وليكفل لهم الأمن على أنفسهم وأموالهم وعقيدتهم وقرر ذلك المبدأ العظيم (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) فاعتبر الاعتداء على العقيدة والإيذاء بسببها وفتنة أهلها عنها أشد من الاعتداء على الحياة ذاتها. فالعقيدة أعظم قيمة من الحياة وفق هذا المبدأ العظيم. وإذا كان المؤمنين مأذونا في القتال ليدفع عن حياته وعن ماله، فهو من باب أولى مأذون في القتال ليدفع عن عقيدته ودينه .. وقد كان المسلمون يسامون الفتنة عن عقيدتهم ويؤذون، ولم يكن لهم بد أن يدفعوا هذه الفتنة عن أعز ما يملكون، يسامون الفتنة عن عقيدتهم. ويؤذون فيها في مواطن من الأرض شتى.

وقد شهدت الأندلس من بشاعة التعذيب الوحشي والتقتيل الجماعي لفتنة المسلمين عن دينهم ما ترك إسبانيا اليوم ولا ظل فيها للإسلام. كما شهد بيت المقدس وما حوله بشاعة الهجمات الصليبية التي لم تكن موجهة إلا للعقيدة وإلاجهاز عليها والتي خاضها المسلمون في هذه المنطقة تحت لواء العقيدة وحدها فانتصروا فيها وحموا هذه البقعة من مصير الأندلس الأليم .. وما يزال المسلمون اليوم يسامون الفتنة في أرجاء المناطق الشيوعية والوثنية والصهيونية والمسيحية في أنحاء من الأرض شتى. وما يزال الجهاد مفروضا عليهم لرد الفتنة إن كانوا حقا مسلمين.

وجاهد الإسلام ثانيا: لتقرير حرية الدعوة -بعد تقرير حرية العقيدة- فقد جاء الإسلام بأكمل تصور للوجود والحياة، وبأرقى نظام لتطوير الحياة. جاء بهذا الخير ليهديه إلى البشرية كلها ويبلغه إلى أسماعها وقلوبها. فمن شاء بعد البيان والبلاغ فليؤمن ومن شاء فليكفر. ولا إكراه في الدين.

ولكن ينبغي قبل أن تزول العقبات من طريق إبلاغ هذا الخير للناس كافة، كما جاء من عند الله للناس كافة. وأن تزول الحواجز التي تمنع الناس أن يسعوا ويقتنعوا وأن ينضموا إلى موكب الهدى إذا أرادوا. ومن هذه الحواجز أن تكون هناك نظم طاغية في الأرض تصد الناس عن الاستماع إلى الهدى وتفتن المهتدين أيضا. فجاهد الإسلام ليحطم هذه النظم الطاغية وليقيم مكانها نظاما عادلا يكفل حرية الدعوة إلى الحق في كل مكان وحرية الدعاة .. وما يزال هذا الهدف قائما وما يزال الجهاد مفروضا على المسلمين ليبلغوه إن كانوا مسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت