الصفحة 198 من 306

أما الذين يرفعون راية العقيدة ولا يخلصون لها، إخلاص التجرد فلا يمنحهم الله النصر أبدًا حتى يبتليهم فيتمحصوا ويتمحضوا .. وهذا ما يريد القرآن أن يجلوه للجماعة المسلمة في كل زمان وفي كل مكان حين يتلقوا الهزيمة المريرة والقرح الأليم وذلك لمواقفهم المضطربة المتأرجحة. وإن هذه العقيدة تعلم أصحابها فيما تعلم، أن ليس لهم في أنفسهم شيء، فهم كلهم لله. وإنهم حين يخرجون للجهاد في سبيله يخرجون له ويتحركون له ويقاتلون له بلا هدف آخر لذواتهم في هذا الجهاد، وإنهم يسلمون أنفسهم لقدره، فيتلقون ما يأتيهم به هذا القدر في رضى وفي تسليم كائنًا هذا القدر ما يكون .. فأما الذين تهمهم أنفسهم، وتصبح محور تفكيرهم، وتقديرهم ومحور اهتمامهم وانشغالهم فهؤلاء ما لم تكتمل في نفوسهم حقيقة الإيمان (وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ) . فهناك هاجس يجيش في النفوس التي لم تخلص للعقيدة حين تصطدم وتعاني الآلام، حين ترى الثمن أفدح مما تظن. وإن هذه الثمرة أشد مرارة مما كانت تتوقع .. لذلك لا بد من الابتلاء ولا بد من التمحيص (وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ) فليس كالمحنة والبلاء محك يكشف ما في الصدور، ويصهر ما في القلوب، فينفي عنها الزيف والرياء ويكشفها على حقيقتها بلا طلاء. فهو الابتلاء والاختبار: وهو التطهير والتصفية للقلوب .. وأخيرًا .. إن الله يربي النفوس ويصحح تصورهم ويعدهم، فالطريق أمامهم طويل، والتجارب أمامهم شاقة والتكاليف عليهم باهظة .. والابتلاء أمر مطرد في كل دعوة تنخرط في كتيبة الإيمان حتى يصبروا على مقتضيات الإيمان من البلاء والكرب، والشدة والجراح. فلا تضعف نفوسهم ولا تتضعضع قواهم ولا تلين عزائمهم ولا يستكينون ولا يستسلمون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت