الصفحة 197 من 306

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) إن الجهاد هو عملية تمحيص تتم في داخل النفس وفي مكنون الضمير. إنها عملية كشف لمكنونات الشخصية، وتسليط الضوء على هذه المكنونات تمهيدًا لإخراج الدخل والدغل والأوشاب. وتركها نقية واضحة مستقرة على الحق بلا غبش ولا ضباب (وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) وكثيرًا ما يجهل الإنسان نفسه ومخائبها ودروبها ومنحنياتها. وكثيرًا ما يجهل حقيقة ضعفها وقوتها. وحقيقة ما استكن فيها من رواسب، لا تظهر إلا بمثير. وفي هذا التمحيص الذي يتولاه الله سبحانه بمداولة الأيام بين الناس بين الشدة والرخاء. يعلم المؤمنون من أنفسهم ما لم يكونوا يعلمونه قبل هذا المحك المرير. محك الأحداث والتجارب والمواقف العملية الواقعية ..

ولقد يظن الإنسان في نفسه القدرة والشجاعة والتجرد والخلاص من الشح والحرص .. ثم إذا هو يكشف على ضوء التجربة العملية، وفي مواجهة الأحداث الواقعية أن في نفسه عقابيل لم تمحص، وأنه لم يتهيأ لمثل هذا المستوى من الضغوط.

ومن الخير أن يعلم هذا من نفسه ليعاود المحاولة في سبكها من جديد على مستوى الضغوط التي تقتضيها طبيعة هذه الدعوة، وعلى مستوى التكاليف التي تقتضيها هذه العقيدة .. فلا يكفي للإنسان أن يقول: أسلمت وأنا على استعداد للموت، فيبلغ بهذه الكلمة رضوان الله والجنة .. إنما هي التجربة الواقعية والامتحان العملي، وإنما هو الجهاد وملاقاة البلاء، ثم الصبر على تكاليف الجهاد وعلى معاناة البلاء: والله يريد من المؤمنين أن يوازنوا في حسهم بين وزن الكلمة التي يقولها اللسان ووزن الحقيقة يواجهها في البيان .. فيعلمهم بهذا أن يحسبوا حسابًا لكل كلة يقولها اللسان ووزن الحقيقة يواجهها في العيان. فيعلمهم بهذا أن يحسبوا حسابا لكل كلمة تطلقها ألسنتهم، ويزنوا حقيقة رصيدها الواقعي في نفوسهم (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ، وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) وبذلك يقدر المؤمنون قيمة الكلمة وقيمة الامنية وقيمة الوعد في ضوء الواقع الثقيل. ويعلم الله عز وجل أن طريق الجنة ليست الكلمات الطائرة والأماني المرفرفة. إنما هو تحقيق الكلمة وتجسيم الأمنية والجهاد الحقيقي والصبر على المعاناة.

والله يريد أن يربي الجماعة المسلمة لتتسلم قيادة البشرية .. البشرية بكل ضعفها ونقصها وشهواتها ونزواتها، وبكل جاهليتها وانحرافها. لذلك يتطلب من الدعاة الثبات على الحق، وصبر على المعاناة، ومعرفة بمواطن الضعف ومواطن القوة في النفس البشرية، وخبرة بمواطن الزلل ودواعي الانحراف ووسائل العلاج، ثم صبر على الرخاء كالصبر على الشدة وصبر على الشدة بعد الرخاء وطعمها يومئذ لاذع مرير .. هذا هو الطريق. هذه هي التربية التي يأخذ الله بها حملة دعوته ليعدها للدور العظيم الهائل الشاق.

إن معركة العقيدة ليست ككل معركة. إنها معركة في الميدان ومعركة في الضمير. ولا انتصار في معركة الميدان دون انتصار في معركة الضمير .. إنها معركة لله، فلا ينصر الله فيها إلا من خلصت نفوسهم له. وما داموا يرفعون راية الله وينتسبون إليها، فإن الله لا يمنحهم النصر إلا إذا محصهم ومحضهم للراية التي رفعوها، كي لا يكون هناك غش ولا دخل ولا تمويه بالراية. ولقد يغلب المبطلون الذين يرفعون راية الباطل صريحة في بعض المعارك لحكمة يعلمها الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت