الصفحة 196 من 306

ثم إن القرآن يخاطب الكينونة البشرية، بما يعلم خالقها من تركيبها الخفي، وبما يطلع منها على الظاهر والباطن، وعلى المنحنيات والدروب والمسالك. وهو سبحانه يعلم مواطن الضعف في هذه الكينونة. ويعلم أن الحرص على الأموال وعلى الأولاد من أعمق مواطن الضعف فيها .. ومن هنا ينبهها إلى حقيقة الابتلاء (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) أنه سبحانه هو الذي وهب الأموال والأولاد .. وعنده وراءهما أجر عظيم لمن يستعلي على فتنة الأموال والأولاد. فلا يقعد أحد إذن عن تكاليف الأمانة وتضحيات الجهاد .. كذلك فتنة القوة .. فأما الذين اتصلت قلوبهم بالقوة الكبرى فهم لا يفتنون بالقوة العارضة. التي تخول لهم في الأرض، لأنهم يخشون من هو أقوى، فينفقون قوتهم في طاعته وإعلاء كلمته. وهم لا يفتنون بالأموال والأولاد، ولا يقعدهم ذلك عن الجهاد، فيوجهون أموالهم وأولادهم في طاعة الله. أما الذين انحرفت قلوبهم عن مصدر القوة والنعمة فهم يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام (أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ) .

وهناك التفاتة إلى الفتنة المستكنة في المتاع المتاح في هذه الأرض للكفار والعصاة والمعادين لمنهج الله. ويلفتنا الله عز وجل التفاتة لإعطاء هذا المتاع وزنه الصحيح وقيمته الصحيحة، حتى لا يكون فتنة لأصحابه. ثم كي لا يكون فتنة للمؤمنين الذين يُعانون ما يعانون من أذى (لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) وتقلب الذين كفروا في البلاد مظهر من مظاهر النعمة والوجدان، ومن مظاهر المكانة والسلطان، وهو مظهر يحيك في القلوب منه شيء لا محالة. ويحيك منه شيء في قلوب المؤمنين وهم يُعانون الشظف والحرمان، ويعانون الأذى والجهد، ويعانون المطاردة أو الجهاد .. وكلها مشقات وأهوال، بينما أصحاب الباطل ينعمون ويستمتعون. ويحيك منه شيء في قلوب الجماهير الغافلة، وهي ترى الحق وأهله يعانون هذا العناء، والباطل وأهله في منجاة بل في مسلاة. ويحيك منه شيء في قلوب الضالين المبطلين أنفسهم، فيزيدهم ضلالا وبطرًا ولجاجًا في الشر والفساد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت