الصفحة 156 من 306

إن الدعاة إلى الله وطلائع البعث الإسلامي الذين يواجهون الجاهلية الشاملة في الأرض كلها، والذين يعانون الغربة في هذه الجاهلية والوحشة، كما يعانون الأذى والمطاردة والتعذيب والتنكيل، إن هذه الطلائع ينبغي ان تقف طويلًا أمام أمر خطير وأما دلالته التي تستحق التدبر والتفكير ..

إن وجود البذرة المسلمة في الأرض شيء عظيم في ميزان الله تعالى. وشيء يستحق منه سبحانه أن يدمر الجاهلية وعمرانها ومنشآتها ومدخراتها جميعًا، كما يستحق منه سبحانه أن يكلأ هذه البذرة ويرعاها حتى تسلم وتنجو وترث الأرض وتعمرها من جديد .. وإنه ليس على العصبة المسلمة إلا أن تثبت وتستمر في طريقها، وإلا أن تعرف مصدر قوتها وتلجأ إليه، وإلا أن تصبر حتى يأتي الله بأمره، وإلا أن تثق أن وليها القدير لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه لن يترك أولياءه إلى أعدائه، إلا فترة الإعداد والابتلاء، وإنها متى اجتازت هذه الفترة فإن الله سيصنع لها وسيصنع بها في الأرض ما يشاء ..

إنه لا ينبغي لأحد يواجه الجاهلية بالإسلام أن يظن أن الله تاركه للجاهلية، وهو يدعو إلى إفراد الله سبحانه بالربوبية كما أنه لا ينبغي له أن يقيس قوته الذاتية إلى قوى الجاهلية، فيظن أن الله تاركه لهذه القوى وهو عبده الذي يستنصر به حين يغلب فيدعوه (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ) .. إن القوى في حقيقتها ليست متكافئة ولا متقاربة .. إن الجاهلية تملك قواها ولكن الداعي إلى الله يستند إلى قوة الله. والله يملك أن يُسخر له بعض القوى الكونية حينما يشاء وكيفما يشاء. وبأيسر هذه القوى يدمر على الجاهلية من حيث لا تحتسب .. وقد تطول فترة الابتلاء لأمر يريده الله .. وقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا قبل أن يأتي الأجل الذي قدره الله. ولم تكن حصيلة هذه الفترة الطويلة إلا اثنا عشر مسلمًا .. ولكن هذه الحفنة من البشر كانت في ميزان الله تساوي تسخير تلك القوى الهائلة والتدمير على البشرية الضالة جميعًا وتوريث الأرض لتلك الحفنة الطيبة تعمرها من جديد وتستخلف فيها .. إن عصر الخوارق لم يمض، فالخوارق تتم في كل لحظة وفق مشيئة الله المطلقة ولكن الله يستبدل بأنماط من الخوارق أنماطًا أخرى تلائم واقع كل فترة ومقتضياتها.

وقد تدق بعض الخوارق على بعض العقول فلا تدركها. ولكن الموصولين بالله يرون يد الله دائمًا ويلامسون آثارها المبدعة .. والدعاة إلى الله الذين يسلكون السبل إليه لبس عليهم إلا أن يؤدوا واجبهم كاملًا بكل ما في طاقتهم من جهد ثم يدعوا الأمور لله في طمأنينة وثقة، وعندما يغلبون. عليهم أن يلجأوا إلى الله الناصر المعين، وأن يجأروا إليه كما جأر عبده الصالح نوح (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ) . ثم ينتظروا فرج الله القريب، وانتظار الفرج من الله عبادة فهم على هذا الانتظار مأجورون .. ولكن نشير هنا إلى أن هذا القرآن لا يكشف عن أسراره إلا للذين يخوضون به المعركة ويجاهدون به جهادًا كبيرًا .. إن هؤلاء وحدهم هم الذين يعيشون في مثل الجو الذي تنزل به القرآن ومن ثم يتذوقونه ويدركونه لأنهم يجدون أنفسهم مخاطبين خطابًا مباشرًا به كما خوطبت به الجماعة المسلمة الأولى فتذوقته وأدركته وتحركت به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت