فلا بد من جماعة تدعو إلى الخير (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) وإن الطريق أمام الدعاة هو نفوس الناس.
فإذا نظرنا إلى طبيعتهم، شهوات الناس ونزواتهم ومصالح بعضهم ومنافعهم وغرور بعضهم وكبريائهم. وفيهم الجبار الغاشم، وفيهم الحاكم المتسلط، وفيهم الهابط الذي يكره الصعود، وفيهم المسترخي الذي يكره الاشتداد، وفيهم المنحل الذي يكره الجدّ، وفيهم الظالم الذي يكره العدل، وفيهم المنحرف الذي يكره الاستقامة .. وفيهم من يُنكر المعروف ويعرفون المنكر. ولا تفلح الأمة ولا تفلح البشرية إلا أن يسود الخير وإلا أن يكون المعروف معروفًا والمنكر منكرًا .. إذن لا بد من جماعة تتلاقى على ركيزتين هما: الإيمان بالله والأخوة بالله لتقوم على هذا الأمر العسير الشاق، بقوة الإيمان والتقوى، ثم بقوة الحُب والألفة. وكلتاهما ضرورتان من ضرورات هذا الدور الذي ناطه الله بالجماعة المسلمة وكلفها به هذا التكليف ..
إن قيام هذه الجماعة ضرورة من ضرورات المنهج الإلهي ذاته. فهذه الجماعة هي الوسط الذي يتنفّس فيه هذا المنهج ويتحقق في صورته الواقعية. لا بدّ من وسط غير الوسط الجاهلي ومن بيئة غير البيئة الجاهلية .. هذا الوسط يتمثل في الجماعة المسلمة القائمة على ركيزتي الإيمان والأخوة .. الإيمان بالله كي يتوحّد تصورها للوجود والحياة والقيم والأعمال والأحداث والأشياء والأشخاص، وترجع إلى ميزان واحد تقوّم به كل ما يعرض لها في الحياة وتتحاكم إلى شريعة واحدة من عند الله ...
وهكذا قامت الجماعة المسلمة الأولى على هاتين الركيزتين. على الإيمان بالله، ذلك الإيمان المنبثق من معرفة الله سبحانه وتمثل صفاته في الضمائر، وتقواه ومراقبته، واليقظة والحساسية إلى حد غير معهود إلا في الندرة من الأحوال. وعلى الحبّ. الحب الفياض الرائق. والود. الود العذب الجميل. والتكافل. التكافل الجاد العميق. وبلغت تلك الجماعة في ذلك كله مبلغًا لولا أنه وقع لعُدّ من أحلام الحالمين. وعلى مثل ذلك الإيمان ومثل هذه الأخوة يقوم منهج الله في الأرض في كل زمان ...
لا بد من الإيمان بالله ليوضع الميزان الصحيح للقيم، والتعريف الصحيح للمعروف والمنكر .. ولا بد من الإيمان ليملك الدعاة الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر أن يمضوا في هذا الطريق الشاق ويحتملوا تكاليفه وهم يواجهون طاغوت الشر في عنفوانه وجبروته، ويواجهون طاغوت الشهوة في عرامتها وشدتها، ويواجهون هبوط الأرواح وكلل العزائم، وثقلة المطامع. وزادهم هو الإيمان وعدتهم هي الإيمان وسندهم هو الله. وكل زاد سوى زاد الإيمان ينفد، وكل عدة سوى عدة الإيمان تفل، وكل سند غير سند الله ينهار. والمسلمون إما يدعون إلى المعروف وينهون عن المنكر مع الإيمان بالله، وإما أن لا يقوموا بشيء من هذا فهم غير مسلمين وغير متحققين بصفة الإسلام. وهذا بيان القرآن (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ .. ) وأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم نقتطف بعضها:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطيع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) .